روقوا يا مسؤولين !
الكاتب: د. عدنان ملحم
يتوجب على المسؤولين والقادة والزعماء الفلسطينيين أن يجعلوا مواكبهم أكثر بساطة وهدوءا ، وأقل ازدحاما وكلفة . فشعبنا العظيم شعب محترم وودود وبسيط ، ولا يحتاج المسؤول فيه إلى كل هذا الاستعراض الأمني كي يصل إلى الناس .
وأظن أن سيارة مرافقة واحدة للمسؤول الكبير تكفي وزيادة ، بل قد تعطي انطباعا أكثر صدقا عن جديته وقربه من أبناء شعبه . أما كثرة المركبات والمرافقين ، فقد أصبحت تعطي انطباعاً سيئا جدا ، وتضعف الهدف من الزيارة أو الطلة أو الجاهة ، وتحول المشهد أحيانا من لقاء مع الناس إلى موكب رسمي ثقيل .
وكلنا يعرف أن انتقال أي مسؤول من منطقة إلى أخرى يحتاج إلى تنسيق وترتيبات أمنية مع المحتل الغاصب ، فكيف إذا كان الموكب يضم حراسات وقوات خاصة وأسلحة ، مهما كان نوعها؟ المشهد هذا يفرض مسافة بين المسؤول والناس ، في الوقت الذي نحن فيه بأمس الحاجة إلى تقليص المسافات ، لا إلى توسيعها .
وطننا تحاصره أعاصير الفقر والحاجة والبطالة ، وتستبيح أرضه قوات الاحتلال ، ويواجه أهلنا يوميا آلة عسكرية واستيطانية مدججة بالسلاح والعنف .
روقوا يا مسؤولين !
ما حدا من الشعب رح يضايقكم ، وما حدا من الناس رح يزعجكم . أما مرافقة القوات الخاصة ، والقفز من الجيبات ، وارتداء النظارات السوداء ، وكثرة المظاهر الأمنية ، فهذه ليست مادة للمحبة ؛ بل قد تصبح ، من حيث لا تقصدون ، مادة للنفور والكره .
شعبنا المجاهد يعرف عدوه جيدا ، ويؤمن أن الاحتلال هو عدوه الأول ، لكنه يرى في الفساد والمفسدين والمبذرين ، خصوما لا يقلون خطرا على حياته وكرامته ومستقبله .
وهل تعرفون شعبا مثل شعبنا ، صارع الاحتلال والدمار والجوع والفقر والبطالة والفساد والطغاة والمستعمرين والمستوطنين، وظل صامدا ، صامتا ، كاظما غيظه ؟! .
ماذا تعني المواكب في ظل عجز النظام السياسي الدفاع عن القرى والبلدات التي يحرق المستعمرون بيوتها وأحياءها ومركباتها ؟ ماذا تعني المواكب في ظل عجز النظام الوطني عن حماية المزارعين الذين يقطفون ثمار زيتونهم ؟ ماذا تعني المواكب في ظل فشل المشروع الوطني الفلسطيني في توفير المستحقات المالية والصحية والتربوية والاجتماعية لمواطنينا ؟ ماذا تعني المواكب في ظل عجز أصحابها عن فتح حاجز وبوابة ملونة واحدة ؟ .
ضبّوا الطابق والأفلام والحركات الكوميدية ، واهتموا بتثبيت الناس في وطنهم ومقاومة خطط التهجير والطرد في جميع أنحاء البلاد. الشعب جائع ، فقير ، محبط ، تنهش جسده ذئاب الذل واللامبالاة .
خلص ، ذوقوا على حالكم : نحن شعب يعيش تحت أعتى وأشرس احتلال استيطاني إحلالي عرفته البشرية منذ فجر التاريخ .
خلص ، ذوقوا على حالكم : معركتنا الوحيدة اليوم هي توفير كل وسائل الحياة والصمود لشعبنا العظيم الصابر .
خلص ، ذوقوا على حالكم : إسرائيل قتلت اتفاقية أوسلو ودفنتها ، وعلينا مراجعة بوصلة السلطة الوطنية الفلسطينية ومهامها وبوصلتها من الألف إلى الياء .
خلص ، ذوقوا على حالكم : لا مستقبل للفلسطينيين سوى بوحدة كلمتهم ومسيرتهم ، فعدونا يمتلك مشروعه العقائدي الممتد على مساحة فلسطين من البحر إلى النهر .
شعبنا مقهور وساكت وصامد وصابر ، وليس مذلولا ، فلا تحرقوا سفنه وراياته . جميعنا في مركب واحد ، وعدونا لا يريد السلام ، ويطمح في أن يجد فينا من يقوم بالدور الذي قام به سيئ السمعة والصيت سعد حداد : كيان يحفظ أمنه ومشروعه مقابل حفنة من الصلاحيات والامتيازات .
وأتذكر في هذا الموضوع اعتماد الرئيس الشهيد ياسر عرفات مصطلح " الأخ " في مخاطبة أبناء المجتمع السياسي والوطني الفلسطيني ؛ أراد أن يؤسس منهجا واضحا : المسؤول ، مهما علا موقعه ، يبقى واحدًا من الناس .
وأتذكر كذلك موقف الأخ عبد العزيز أبو علي شاهين ، وزير التموين الفلسطيني، عندما اعترض في إحدى مهرجانات جامعة النجاح الوطنية عام 2002 على إقران اسمه بلقب " معالي وزير التموين "، وقال بصوت مرتفع: " عيب أن يُدعى مسؤول فلسطيني بمعالي، وهناك مستعمرة تجثم على صدورنا اسمها “معاليه أدوميم”.
ملاحظة مهمة: هذا النص لا يستهدف مسؤولا بعينه ، وإنما ينتقد المبالغة في المظاهر والمواكب والاستعراضات الأمنية ، حين تتحول من ضرورة تفرضها الظروف إلى مسافة تفصل المسؤول عن الناس . فالمسؤولية ، في زمن الفقر والاحتلال والحصار ، تقتضي مزيدا من التواضع والقرب من الناس ، وأقل قدر ممكن من المظاهر التي توحي بالعزلة عنهم .


