الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:15 AM
الظهر 12:27 PM
العصر 3:48 PM
المغرب 6:23 PM
العشاء 7:38 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

هَلْ يَسْتَجْدِي نِتَنْيَاهُو طُوفَانًا فِي الضَّفَّةِ لِيُنْقِذَ نَفْسَهُ؟

الكاتب: د. محمد عودة

هل المواجهة الأمنية المتصاعدة في الضفة الغربية جزءٌ من مسار أوسع يهدف إلى إعادة ترتيب الأرض والسكان والسلطة؟ فالمسألة لم تعد مجرد عمليات أمنية متفرقة، بل باتت تترافق مع تصريحات عن الحرب، ومشروعات للضم، وتوسع استيطاني، وتهديدات تستهدف السلطة الفلسطينية، وإجراءات على الأرض تضغط على السكان وتعيد رسم حدود الحركة والوصول إلى الأرض. وقد لا تكون هذه التطورات صادرة عن جهة واحدة أو مندرجة تحت خطة معلنة واحدة، لكنها تتقاطع في نتائجها وتدفع نحو تغيير واضح في واقع الضفة الغربية.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه إسرائيل عن جبهة حرب في مواجهة ما تسميه الإرهاب في الضفة، يتقدم مشروع آخر هو توسيع الاستيطان، وإقامة البؤر والمزارع الاستيطانية، وتثبيت السيطرة على مساحات جديدة، وإعادة صياغة العلاقة بين الفلسطينيين وأرضهم، وفي الخلفية يقف مشروع الضم الذي لم يعد مجرد فكرة هامشية، بل أصبح جزءًا معلنًا من خطاب وزراء في الحكومة الإسرائيلية.

في 2025، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تصورًا لضم نحو 82% من الضفة الغربية، مع إبقاء التجمعات الفلسطينية في جيوب منفصلة، وربط ذلك بمنع قيام دولة فلسطينية، وبعد عام تقريبًا، دعا سموتريتش إلى الذهاب إلى حرب في الضفة، والقيام فيها بما جرى في غزة، وتفكيك السلطة الفلسطينية، وهنا تنتقل المسألة من مشروع سياسي للضم إلى طرح يضع وجود السلطة نفسها داخل دائرة الاستهداف.

وفي الاتجاه نفسه، هدد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بشن حرب شاملة على السلطة إذا خلصت إسرائيل إلى أن أجهزة السلطة أو جهات مرتبطة بها تستعد لهجوم على نمط السابع من أكتوبر(قد تفتعله جهات اسرائيلية )، لتصنع الذريعة التي ستُبنى عليها الحرب، وتحدث كاتس عن استهداف قيادات في السلطة وأجهزتها، وإخلاء سكان من مدن وقرى، وتدمير البنية التحتية، مع إبقاء الجيش الإسرائيلي في المناطق التي جرى إخلاؤها، وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل المسألة تتجاوز العملية العسكرية التقليدية؛ فإبقاء الجيش في الأرض بعد إخلاء السكان يعني أن المهمة الأمنية تتحول إلى إعادة ترتيب للمكان.

ففي سياق متصل فقد تواصل التوسع الاستيطاني، ووصل إلى مشاريع كبيرة في منطقة E1، بما يهدد بزيادة تجزئة الضفة وتعميق الفصل بين القدس الشرقية وأجزاء واسعة منها، وفي الوقت نفسه تتوسع البؤر والمزارع الاستيطانية، بينما تتزايد القيود على حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى أراضيهم، وهكذا لا يجري تغيير الخريطة فقط من خلال إعلان الضم، بل من خلال تغيير الوقائع التي تجعل الضم أقل حاجة إلى إعلان رسمي.

لكن قراءة هذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من منهج استراتيجي لا تعني أنها منفصلة عن الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، فمع اقتراب الانتخابات، تصبح الضفة ورقة انتخابية، يستطيع اليمين الإسرائيلي أن يقدم من خلالها صورة عن التشدد الأمني، وتوسيع الاستيطان، ورفض الدولة الفلسطينية، وإظهار القدرة على فرض الوقائع على الأرض، وهنا يتداخل البعدان، مشروع طويل المدى يسعى إلى تغيير طبيعة الضفة، ومصلحة انتخابية تستثمر هذا المشروع وتسرّع بعض خطواته أو ترفع سقف الخطاب حوله، ولذلك قد تكون بعض الإجراءات محسوبة انتخابيًا في توقيتها، من دون أن يعني ذلك أنها منفصلة عن رؤية استراتيجية تتجاوز الانتخابات نفسها.

ويظهر أثر هذا المسار بصورة شديدة الوضوح في موسم الزيتون، فمزارعون فلسطينيون يتعرضون للاعتداء، ويُمنعون في مناطق مختلفة من الوصول إلى أراضيهم وقطف محصولهم، فيما تُقتلع الأشجار أو تُسرق الثمار أو تتعطل عملية القطاف، وهنا لا يعود الزيتون مجرد محصول زراعي؛ فهو جزء من علاقة الفلسطيني بأرضه، ومن قدرته على البقاء فيها، وعندما يُمنع صاحب الأرض من الوصول إليها أو الاستفادة من محصولها، فإن السيطرة لا تقع على الأرض وحدها، بل تمتد إلى صاحبها نفسه.

ومن هنا تكتسب مسألة التهجير معناها الحقيقي، فالتهجير لا يحتاج دائمًا إلى قرار ، قد يبدأ بمنع الوصول إلى الأرض، ثم بتقييد الحركة، ثم بتدمير المنازل أو الممتلكات، ثم بجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة، إلى أن يصبح الرحيل نتيجة للواقع المفروض، وقد وثقت الأمم المتحدة خلال 2026 ارتفاعًا كبيرًا في عنف المستوطنين وعمليات التهجير المرتبطة به.

وفي هذا السياق تبرز أيضًا مسألة الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية أو الوثائق الأردنية ويقيمون في الضفة الغربية، ويُقدَّر عددهم تاريخيًا بنحو 800 ألف شخص. وهذه الكتلة السكانية ليست تفصيلًا ديموغرافيًا صغيرًا، خصوصًا في ظل التصريحات والمواقف المعلنة لسموتريتش بشأن الضم ومنع قيام الدولة الفلسطينية وإعادة صياغة واقع الضفة. فأي تغيير في وضع هؤلاء أو دفعهم إلى مغادرة الضفة ستكون له آثار تتجاوزها، وتمتد إلى الأردن والعلاقة الأردنية الفلسطينية ومستقبل القضية الفلسطينية. ولذلك لا ينفصل السؤال الديموغرافي عن السؤال الجغرافي: من سيبقى في الضفة، وأين سيبقى.

لكن إضعاف السلطة الفلسطينية لا يجري فقط عبر التهديد باستهداف أجهزتها أو قياداتها، بل يمتد إلى البيئة السياسية والمالية التي تقوم عليها قدرتها على الاستمرار، فمنذ تأجيل الانتخابات التشريعية عام 2021، بسبب تعذر إجرائها في القدس وغزة، بقي التجدد الانتخابي معطلًا، وبقيت أزمة الشرعية السياسية قائمة، وفي الوقت نفسه، أدت أزمة أموال المقاصة والضغوط المالية الإسرائيلية المتواصلة إلى إضعاف قدرتها على دفع الرواتب وتقديم الخدمات والمحافظة على وظائفها الأساسية،وهكذا لا تبدو الأزمة السياسية والمالية مسارين منفصلين عن المشروع الجاري في الضفة، بل جزءًا من بيئة تضغط على السلطة من جهات متعددة، بحيث لا يقتصر استهدافها على بنيتها الأمنية، وإنما يمتد إلى قدرتها على الحكم والاستمرار.

وهنا تكمن خطورة السيناريو الذي يستحق النقاش: قد لا يكون الهدف المباشر من كل إجراء هو إسقاط السلطة، لكن الإمعان في إضعاف وظائفها يمكن أن يكون إحدى نتائجه، فالسلطة لا تقوم فقط على مبانٍ ومكاتب، بل على قدرتها على إدارة المدن، وتقديم الخدمات، ودفع الرواتب، والحفاظ على الأمن، وتأمين الحد الأدنى من التواصل بين المناطق الفلسطينية، وإذا جرى تدمير هذه الوظائف تدريجيًا، فقد لا تحتاج إسرائيل إلى إعلان حل السلطة؛ يكفي أن تصبح السلطة عاجزة عن أداء وظائفها.

ولا تجري هذه التطورات في فراغ دولي، فقد اتسع الاعتراض على سياسة الاستيطان ليشمل اثنتي عشرة دولة أعلنت دعمها لقيود على التجارة مع المستوطنات، فيما اتخذت بريطانيا وفرنسا وكندا خطوات عملية في هذا الاتجاه، وهذا يعني أن قضية الاستيطان بدأت تنتقل من الجانب النظري إلى إجراءات تمس العلاقة الاقتصادية والدبلوماسية مع إسرائيل.

وجاء الرد الإسرائيلي سريعًا، فكانت بريطانيا أبرز من تحمل تبعاته، مع قرار إغلاق قنصليتها العامة في القدس الشرقية، فيما امتدت الإجراءات إلى هولندا أيضًا، بإخراج ممثليها من مركز التنسيق الدولي الخاص بغزة وسحب الصفة الدبلوماسية من دبلوماسييها لدى السلطة الفلسطينية، وهذه التطورات تكشف أن قضية الضفة لم تعد محصورة في مواجهة فلسطينية إسرائيلية، بل أصبحت موضع احتكاك دبلوماسي متزايد بين إسرائيل وعدد من الدول التي ترى في التوسع الاستيطاني وتغيير الوقائع على الأرض تهديدًا لمستقبل التسوية.

من خلال نظرة شمولية  تصبح الصورة أكثر وضوحًا: مشروع سياسي يدفع نحو الضم ومنع قيام الدولة الفلسطينية، وتوسع استيطاني يعيد توزيع السيطرة على الأرض، وخطاب عسكري يضع السلطة وقياداتها ضمن نطاق الاستهداف، وقيود تدفع الفلسطينيين بعيدًا عن أراضيهم، حتى في موسم الزيتون، وأزمة مالية ومؤسسية تضعف السلطة، وليس من الضروري أن تكون العناصر كلها خطة واحدة حتى تنتج واقعًا واحدًا.

لهذا فإن السؤال الأهم لم يعد ما إذا كانت الضفة تتجه نحو مواجهة أوسع، فالمواجهة تتشكل أمام أعيننا، وإنما إلى أين يقود هذا المسار إذا استمر على النحو الذي نشهده اليوم، ماذا ستكون عليه الضفة بعد اتساع العمليات العسكرية، وزيادة الاستيطان، وتقييد حركة السكان ، وإضعاف قدرة السلطة على أداء وظائفها؟ هل تعود المدن والأراضي إلى ما كانت عليه، أم تتحول الإجراءات المؤقتة إلى وقائع دائمة، بحيث يصبح النزوح واقعًا مستقرًا، والوجود العسكري أكثر رسوخًا، والسلطة أقل قدرة على الحكم؟

إعادة تشكيل الضفة لا تحتاج إلى إعلان ضم شامل، أو قرار رسمي بحل السلطة، أو أمر معلن بترحيل السكان؛ فالوقائع يمكن أن تتغير تدريجيًا حتى يصبح ما كان استثناءً أمرًا عاديًا،، فحين تصبح الأرض الزراعية بعيدة عن أصحابها، ومنع قطف الزيتون جزءًا من الحياة اليومية، وتتحول البؤرة إلى مستوطنة والمستوطنة إلى كتلة، والإخلاء المؤقت إلى نزوح طويل، والوجود العسكري المؤقت إلى وجود دائم، تتغير علاقة الفلسطيني بأرضه وتتوزع السيطرة عليها من جديد.

وإذا كانت بعض هذه الإجراءات تُستخدم أيضًا كورقة انتخابية وتخدم الحسابات الداخلية، فهذا لا يلغي أثرها الاستراتيجي؛ فالإجراءات التي تبدأ أمنية أو انتخابية قد تتحول، بتراكمها، إلى وقائع تعيد صياغة الأرض والسكان ووظيفة السلطة. عندها لا نكون أمام عملية عسكرية جديدة فحسب، بل أمام تغيير تدريجي للضفة نفسها، بحيث يصبح الاحتلال أقل حاجة إلى إعلان نفسه. والسؤال هنا ليس فقط كيف تُخضع الضفة أمنيًا، بل أي ضفة ستبقى بعد أن تتحول هذه الوقائع إلى أمر واقع؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...