أَوقفوا قتل أطفال فلسطين، وامنحوا من بقي منهم فرصة ليكبر
الكاتب: د. محمد عودة
ماذا يريد الطفل من الحياة؟ يريد أن يكبر، ويذهب إلى المدرسة، ويلعب مع أصدقائه، ويعود إلى أمه، ويسمع صوت أبيه، ويحلم بأن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو لاعب كرة قدم أو طيارًا، تلك الأشياء التي تبدو للكبار عادية هي الحياة نفسها بالنسبة إلى الطفل، لكن أطفال فلسطين، وبالأساس أطفال غزة، وجدوا أنفسهم في مواجهة عدوان مستمر لا يكتفي بهدم البيوت والمدارس والمستشفيات، بل يسلبهم أبسط حقوقهم: أن يعيشوا طفولتهم، وأن يبلغوا العمر الذي يستطيعون فيه أن يقرروا: ماذا سيصبخون عندما يكبرون؟
أطفال فلسطين ليسوا أرقامًا في تقارير القتلى والجرحى، بل لكل واحد منهم حكاية وحلم وعائلة، منهم من استشهد، ومنهم من نجا فاقدًا طرفًا أو حاسة، ومنهم من فقد والديه وإخوته، وضاع بين النزوح والركام. تختلف حكاياتهم، لكن المأساة واحدة: مستقبل كان ينبغي أن يمتد أمامهم، فإذا بالعدوان يقطعه بالموت أو البتر أو الفقد والتيه.
خرج هيثم من المواصي يبحث عن الحليب لأخته الصغيرة، فاستشهد وهو يبحث عنه، وكان صديقه أمير، ابن الرابعة عشرة، يحمل حزن موته، فذهب إلى المقبرة ليودعه، ولم يكن أمير يحمل حزن صديقه وحده؛ فقد مات جده لأمه أثناء النزوح، وهو ينام في العراء، وقف أمام قبر هيثم وطلب منه أن يسلّم على جده حين يراه، اثناء عودته، أصابه صاروخ ذكي واستشهد، هكذا فقدت الحياة طفلين، كان أقصى ما ينبغي أن يُطلب منهما أن يعيشا.
وفي حكاية ضحى وطفلها، وُلد الطفل بكف واحدة، وعندما أتقن الكلام سأل أمه: وين راحت إيدي؟، فأجابته دون تردد: ذهبت إلى الجنة، لكن العدوان لم يمنحهما فرصة للبقاء، فاستشهدا بصاروخ شديد الغباء، وبقي سؤاله البريء عن يده الضائعة شهادة على أم حاولت أن تحمي طفلها من قسوة الحقيقة، فلم تنجُ هي ولا هو منها.
أما الذين بقوا أحياء، فقد حمل بعضهم بصمات العدوان في أجسادهم. محمود عجور، من شمال غزة، فقد ذراعيه، وسأل: كيف سأعانق أمي بعد الآن؟، لم يكن سؤاله عن مستقبل بعيد، بل عن أبسط فعل إنساني حُرم منه،أحمد فقد ساقيه وهو يفر من القصف، وكان يحلم بالذهاب إلى مدرسته، وحمل الدواء إلى جدته، والعثور على حقيبته. وفجأة، تحولت أحلامه العادية إلى معركة مع جسد غيّره العدوان.
سميرفقد بصره، وأصبح يتساءل كيف سيرى جمال أخته وهي تكبر أمامه، فيما فقد ليث سمعه، وخشي ألا يسمع الأذان أو صوت أبيه أو المعلّق الرياضي وهو يصف هدفًا في مباراة كرة القدم، أما كريم، فأفقدته الشظايا لسانه، فلم يعد قادرًا على ترديد نشيد موطني، لكن ما بقي في قلبه لم تستطع الشظايا الوصول إليه، لقد نجوا من الموت، لكن العدوان ترك في أجسادهم وحياتهم آثارًا سترافقهم طويلًا.
وتكشف شهادات وسائل الإعلام وجوهًا أخرى لهذه المأساة، فقدت دنيا أبو محسن والديها وأخاها وأختها وساقها، ومع ذلك بقيت تحلم بساق صناعية، وبأن تصبح طبيبة تعالج الأطفال، وبأن ينتهي العدوان ويسلم أطفال غزة، ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية قصة منى علوان، التي فقدت والديها وأختها وأخيها وأجدادها، وظلت تنادي أمها دون أن تعرف أنها لن تعود، أما ميليسا جودة، فقد نجت من قصف قتل أكثر من ستين فردًا من عائلتها، لكنها فقدت القدرة على المشي. لم تكن خسارتهم في أحلام لم تتحقق فحسب، بل في الأهل والأجساد والأمان الذي يحتاجون إليه ليصنعوا مستقبلهم.
وهناك أطفال فقدوا العالم الذي يعرفونه، وجدت أمل وأحلام نفسيهما بعيدتين عن البيت والعائلة، ولم يعد سلام يعرف كيف يعود إلى شارعه أو أين أصبحت ألعابه. أما حنان، فوجدت نفسها تحمل أختها الرضيعة رهف وتحاول القيام بدور الأم، وهي طفلة تحتاج بدورها إلى من يحملها ويحميها. طفلة تحمل طفلة وتحاول حمايتها من الجوع والخوف، بينما كان ينبغي أن تكون هي من يتلقى الرعاية والأمان.
فالطفل الذي يفقد والديه يفقد العالم الذي يعرفه، والذي يضيع عن أسرته لا يبحث عن عنوان بيت فقط، وإنما يبحث عن نفسه أيضًا. والنزوح ليس انتقالًا من مكان إلى آخر، بل اقتلاع لذاكرة الطفل وأمانه وانتمائه، حين يصبح البيت خيمة، والمدرسة مكانًا للفرار، والشارع طريقًا إلى المجهول، يُسلب الطفل إحساسه بأن العالم مكان آمن يستطيع أن يكبر فيه.
ثم جاءت هند رجب، ذات الأعوام الستة، لتضع العالم أمام مأساة لا تحتاج إلى شرح. حوصرت داخل سيارة بعد مقتل أفراد من عائلتها، وتمكنت من الاتصال بالهلال الأحمر وطلب النجدة، ظل صوتها يصل إلى العالم وهي خائفة ومحاصرة، أُرسلت سيارة إسعاف لإنقاذها، فاستشهد المسعفان، وبعد اثني عشر يومًا، عُثر على جثمان هند وجثامين أفراد من عائلتها والمسعفين، وقد وثقت الأمم المتحدة تفاصيل الواقعة في تقرير لاحق.
لم تكن هند تطلب تعويضًا، ولم تكن تعرف شيئًا عن البيانات والمؤتمرات؛ كانت تريد أن تعيش، وأن تصل إلى أمها، وفي كلماتها اختُصرت أمنية كل طفل فلسطيني: أن ينجو، وأن يعود إلى أهله، وأن يعيش. لذلك بقي صوتها أقوى من كثير من البيانات التي صدرت بعد موتها.
وفي الضفة الغربية أيضًا، استشهد ما لا يقل عن 243 طفلًا فلسطينيًا على يد قوات الاحتلال والمستوطنين منذ 7 أكتوبر 2023، وفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 3 تموز 2026، من بينهم آدم سامر الغول، وباسل سليمان أبو الوفا، ومحمد بهجت الحلاق، والشقيقان محمد وعثمان بني عودة. لكل واحد منهم حكاية وحلم لم يكتمل، ولأسرهم وجع لا تعوّضه الكلمات. من غزة إلى الضفة، تتواصل حكايات الأطفال الذين انتُزعت منهم أحلامهم قبل أن تكتمل.
وسُئل طفل فلسطيني عما يريد أن يصبح عندما يكبر، فأجاب بما يلخص مأساة جيل كامل: نحن لا نكبر حتى نصبح شيئًا لأنهم يقتلوننا صغارًا، تخيلوا أن يصبح هذا جواب طفل عن المستقبل؛ لا طبيبًا ولا مهندسًا ولا معلمًا ولا لاعب كرة قدم، بل إنسانًا لا يعرف إن كان سيبلغ العمر الذي يستطيع فيه الاختيار.
ماذا سيكتب التاريخ عن الأطفال الذين مُنعوا من أن يكبروا، وعن الذين منعوهم من ذلك؟ سيكتب عن هيثم الذي خرج يبحث عن الحليب لأخته، وعن أمير الذي ذهب إلى قبر صديقه ثم استشهد عائدًا من المقبرة، وعن ضحى التي حاولت أن تشرح لطفلها أين ذهبت يده، ثم استشهدت معه، وسيكتب عن محمود وأحمد وسمير وليث وكريم، وعن أمل وأحلام وسلام وحنان ورهف، وعن دنيا ومنى وميليسا، وعن هند رجب التي وصل صوتها إلى العالم وهي تطلب النجدة. وهؤلاء من بين ما يقارب 22 ألف طفل استشهدوا في غزة، التي بلغ فيها عدد الشهداء نحو 75 ألفًا، والمصابين نحو 174 ألفًا، بينهم ما يقارب 46 ألف طفل. وسيكتب أيضًا عن أطفال الضفة الذين انتُزعت حياتهم قبل أن تتاح لهم فرصة اختيار ما يريدون أن يصبحوا.
لكن التاريخ لن يسأل عن الأطفال وحدهم، بل سيسأل أيضًا عن الذين امتلكوا القدرة على منع الكارثة ولم يفعلوا، وعن المؤسسات التي أُنشئت لحماية الإنسان عندما يعجز عن حماية نفسه ولم تفعل، ماذا فعل العالم وهو يعرف أن أطفالًا آخرين ما زالوا في خطر؟ وهل تكفي البيانات بينما القتل مستمر الطفل ، يحتاج إلى حماية فعلية لا تعبير عن القلق.
نتوجه إلى جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والأمم المتحدة، لا لنطلب إعادة الشهداء إلى الحياة، فهذا مستحيل، ولا لمحو آثار البتر من أجساد من بقوا أحياء، نطلب منهم شيئًا ما زال ممكنًا: أوقفوا قتل أطفال فلسطين، وخاصة أطفال غزة، وامنحوا من بقي منهم فرصة ليكبر.
لا تنتظروا أن يتحول الطفل الذي لم يفقد ساقيه بعد، أو الطفلة التي ما زالت تملك أمًا يمكن أن تعود إليها، أو الطفل الذي تنتظره حقيبته المدرسية، إلى اسم جديد في تقارير الضحايا، إن حماية الأطفال لا ينبغي أن تبدأ بعد موتهم، ولا تُعدّ الإدانات بديلًا عن إنقاذهم، المطلوب وقف القتل، وحماية المدنيين، وإيصال الغذاء والدواء، وتأمين العلاج والتأهيل للمصابين، وحماية الأطفال الذين فقدوا ذويهم، وإعادة بناء المدارس والمستشفيات والبيوت، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
فالمساءلة ضرورية، لكن لا شيء يعوض محمودًا عن ذراعيه، ولا أحمد عن ساقيه، ولا يعيد هيثم إلى أخته، أو أمير إلى عائلته، أو ضحى إلى طفلها، أو هند إلى أمها. ولهذا لا نريد أن نضيف إلى هذه القصص محمودًا جديدًا، ولا أحمدًا جديدًا، ولا هيثمًا جديدًا، ولا أميرًا جديدًا، ولا هندًا جديدة. نريد أن تتوقف القائمة هنا؛ أن يسأل الطفل عن الغد بدل أن يخاف منه، وأن يعود إلى المدرسة بدل أن يبحث عن أفراد أسرته تحت الركام اوعن مكان يختبئ فيه.
يا جامعة الدول العربية، ويا منظمة التعاون الإسلامي، ويا أممًا متحدة، أطفال فلسطين، وخصوصًا أطفال غزة، لا يحتاجون إلى مزيد من البيانات التي تسجل الحزن بعد وقوع المأساة؛ يحتاجون إلى أن تتحول قدرتكم السياسية والقانونية والدبلوماسية إلى حماية فعلية لمن بقي منهم، لقد رحل كثيرون، وسيحمل آخرون آثار العدوان في أجسادهم وذاكرتهم، لكن هناك أطفالًا ما زالوا ينتظرون فرصة واحدة: أن يعيشوا، فأوقفوا قتل أطفال فلسطين، وامنحوهم فرصة ليكبروا.


