من الصداقة التاريخية إلى التعلم المؤسسي: ماذا تعلمنا من اللقاء مع السفير الصيني؟
الكاتب: د. ياسر أبو بكر
ليست كل زيارة دبلوماسية مجرد مناسبة لتبادل المجاملات والصور التذكارية. فبعض اللقاءات يفتح أبوابا للتفكير في تجارب الآخرين، ويضع أمامنا أسئلة تستحق المراجعة. وهذا ما شعرت به خلال زيارتنا، برفقة زملائي في لجنة الرقابة الحركية وحماية العضوية في حركة فتح، إلى مكتب التمثيل الصيني في رام الله، ولقائنا بالسفير سون جن.
كانت الزيارة فرصة لتجديد الاعتزاز بالعلاقات التاريخية التي جمعت حركة فتح بالحزب الشيوعي الصيني، لكنها تجاوزت ذلك إلى حوار مؤسسي عميق حول الرقابة والانضباط الحزبي ومكافحة الفساد، وكيف تستطيع المؤسسات السياسية أن تحافظ على تماسكها وقدرتها على التجدد.
استوقفني في حديث السفير، الذي تحدث من واقع تجربته الشخصية في العمل الرقابي، أن الرقابة في التجربة الصينية ليست مجرد جهاز يبحث عن الأخطاء، وإنما جزء من منظومة متكاملة لإدارة الحزب وتصحيح مساره وحماية مؤسساته.
لقد بدأ الحزب الشيوعي الصيني عام 1921 بعشرات الأعضاء، وأصبح اليوم يضم أكثر من مئة مليون عضو. ولا تكمن أهمية هذه التجربة في الأرقام وحدها، بل في السؤال الذي تطرحه: كيف يستطيع تنظيم بهذا الحجم أن يحافظ على بنيته المؤسسية، ويطور أدوات الإدارة والمساءلة، ويستمر في مراجعة أدائه؟
ولعل أبرز ما خرجت به من اللقاء هو التأكيد على أن قوة التنظيم لا تُقاس بعدد أعضائه أو بمكانة قياداته فحسب، بل بقدرته على إخضاع الجميع لقواعد واضحة، وتصحيح أخطائه، وحماية حقوق أعضائه.
وقد كان حديثنا عن الرقابة الوقائية نقطة التقاء مهمة. فنحن في لجنة الرقابة الحركية وحماية العضوية نؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يتحقق بكثرة المخالفات التي نكتشفها، وإنما بتقليل الأخطاء قبل وقوعها. فالرقابة التي تمنع الخلل أكثر نفعا من الرقابة التي تكتفي بتوثيقه بعد حدوثه.
ومن الأفكار التي تستحق التأمل ما عرضه السفير حول التدرج في المعالجة، بدءًا من الحوار والتنبيه والتصحيح، مرورا بالمساءلة التنظيمية، وصولًا إلى الإجراءات الأشد عند الضرورة. وهذه فلسفة تضع الإصلاح في مقدمة العمل الرقابي، دون أن تتخلى عن المحاسبة.
لكن الدرس الأهم يتعلق بالقيادة نفسها. فالرقابة تفقد معناها إذا توقفت عند حدود المواقع العليا، أو تحولت إلى أداة تُطبق على البعض وتُستثنى منها فئات أخرى. ولا يمكن لأي مؤسسة أن تبني الثقة بين قيادتها وقواعدها دون وضوح الصلاحيات وعدالة الإجراءات واحترام النظام.
لقد أعادت هذه الزيارة إلى ذهني تجربتنا الفلسطينية الخاصة. فنحن في حركة فتح لا نبدأ من فراغ، لدينا تاريخ تنظيمي ونضالي طويل، وتجربة فريدة في بناء المؤسسات والعمل الجماعي حتى داخل معتقلات الاحتلال. لكن امتلاك التاريخ لا يعفينا من واجب تطوير الحاضر، كما أن الاعتزاز بالتجربة لا ينبغي أن يمنعنا من التعلم من تجارب الآخرين.
وكانت مداخلة زميلتنا اللواء أمل خليفة حول مشاركة المرأة، وما عرضته من مشاهداتها خلال زياراتها السابقة للصين، تذكيرًا بأن التطوير المؤسسي لا يكتمل دون توسيع فرص النساء والشباب في القيادة وصناعة القرار. كما أن ما طرحه زميلنا بسام زكارنة بشأن تبادل الزيارات والتدريب يؤكد ضرورة الانتقال من الإعجاب بالتجربة إلى الاستفادة العملية منها.
ولا يعني التعلم من الصين استنساخ نموذجها السياسي أو التنظيمي، فلكل شعب ظروفه، ولكل حركة تاريخها ونظامها وخصوصيتها. إنما المطلوب أن ندرس ما يصلح لنا من أدوات التخطيط والرقابة والتأهيل، وأن نطور نموذجا فتحاويا يستجيب لاحتياجات حركتنا وتحدياتها.
وقد كان من النتائج المشجعة للقاء الترحيب بمواصلة التواصل، وبحث تنظيم لقاءات تخصصية وتبادل الخبرات، وإمكانية زيارة الصين للاطلاع المباشر على تجربتها المؤسسية. وهي فرصة ينبغي البناء عليها ببرنامج واضح وأهداف قابلة للتنفيذ.
غادرنا اللقاء ونحن أكثر اقتناعا بأن العلاقات التاريخية بين حركة فتح والحزب الشيوعي الصيني تستطيع أن تفتح آفاقًا جديدة للتعاون المعرفي والمؤسسي، إلى جانب أبعادها السياسية والوطنية.
فالصداقة الحقيقية بين الحركات والشعوب لا تُقاس فقط بطول تاريخها، وإنما بما تنتجه من معرفة وتعاون وقدرة على التطور.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لحركتنا بعد هذه الزيارة ليس تقريرا عن التجربة الصينية، بل خطوة عملية نحو رقابة أكثر استقلالًا وعدالة وفاعلية، ومؤسسات أكثر انضباطا، وعضوية أكثر حماية، وثقافة تنظيمية تجعل من النقد والمساءلة والإصلاح عناصر قوة لا مصادر خوف.
فالحركات التي تملك شجاعة مراجعة ذاتها، هي الأقدر على تجديد دورها وصناعة مستقبلها.


