فلسطين.. قوة بلا نفوذ
الكاتب: رامي مهداوي
ليست كل قوة مرئية، وليست كل دولة قوية لأنها تملك جيشاً، كما أن الشعوب التي لا تملك موازين القوة العسكرية والاقتصادية ليست بالضرورة بلا قوة. ففي السياسة الحديثة، هناك قوة تصنع الخوف، وقوة تصنع الحاجة، وقوة ثالثة أكثر هدوءاً وعمقاً تصنع القناعة والانحياز والثقة. وبين من يستطيع فرض أمر واقع بالقوة، ومن يستطيع التأثير في الطريقة التي يرى بها العالم الأشياء، تتشكل مساحة واسعة من النفوذ تسمى "القوة الناعمة".
ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو فلسطين حالة استثنائية. فهي، رغم الاحتلال وغياب السيادة الكاملة واختلال موازين القوة، تمتلك رأسمالاً رمزياً وأخلاقياً وثقافياً وإنسانياً يفوق ما تمتلكه دول أكثر استقراراً وثراءً. غير أن المفارقة تكمن في أن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة امتلاك النفوذ. فالقوة التي لا تُدار تبقى إمكانية، والرمز الذي لا يتحول إلى مؤسسة يبقى عاطفة، والتعاطف الذي لا يُترجم إلى شبكة علاقات ومصالح ومواقف قد يتراجع بمجرد أن تتحول كاميرات العالم إلى مكان آخر.
فلسطين لا تعاني من مشكلة غياب عن العالم. على العكس، ربما تكون واحدة من أكثر القضايا حضوراً في الذاكرة السياسية والإنسانية المعاصرة. اسم القدس يتجاوز حدود الجغرافيا إلى التاريخ والدين والوجدان الإنساني، وبيت لحم حاضرة في ذاكرة مئات الملايين حول العالم، والكوفية تجاوزت صاحبها الفلسطيني لتصبح رمزاً عالمياً للحرية والاحتجاج، فيما تحولت الزيتونة والمفتاح والتطريز الفلسطيني إلى مفردات بصرية تحمل حكاية شعب كاملة. أما الأدب والموسيقى والسينما والفن الفلسطيني، فقد وصلت في كثير من الأحيان إلى أماكن لم تستطع الدبلوماسية التقليدية الوصول إليها.
لكن السؤال ليس: هل يعرفنا العالم؟ بل ماذا فعلنا بهذه المعرفة؟
هنا يبدأ الفرق بين الصورة والنفوذ. أن يتعاطف إنسان في مدينة بعيدة مع فلسطين أمر مهم، وأن تخرج مظاهرة تحمل العلم الفلسطيني أمر له قيمته السياسية والأخلاقية، لكن القوة الناعمة تصبح نفوذاً فقط عندما يتحول التعاطف إلى موقف مستدام، والموقف إلى علاقة، والعلاقة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى قدرة على التأثير في القرار. فالسياسة لا تعيش بالعواطف وحدها، مهما كانت عدالتها؛ إنها تعيش أيضاً بشبكات المصالح والمعرفة والعلاقات والقدرة على جعل وجودك مهماً للآخرين.
لقد اعتمد الفلسطيني طويلاً، وبحق، على عدالة قضيته. لكن عدالة القضية، مهما كانت واضحة، ليست استراتيجية سياسية مكتملة. ولو كانت العدالة وحدها تكفي لتغيير التاريخ، لما استمر الاحتلال كل هذه العقود. نحن بحاجة إلى الانتقال من الاكتفاء بإثبات أننا أصحاب حق إلى بناء القدرة التي تجعل تجاهل هذا الحق أكثر كلفة سياسياً وأخلاقياً وثقافياً. وهنا تحديداً تصبح القوة الناعمة جزءاً من معركة التحرر، لا ترفاً دبلوماسياً ولا حملة علاقات عامة.
وهذا يستدعي إعادة تعريف الدبلوماسية الفلسطينية نفسها. فالدبلوماسية لا تبدأ في السفارة وتنتهي عند أبواب وزارة الخارجية. الجامعة التي تبني شراكة دولية تمارس شكلاً من أشكال الدبلوماسية، والفنان الذي يحمل فلسطين إلى مهرجان عالمي يفعل ذلك أيضاً، والكاتب والباحث والطبيب ورجل الأعمال والطالب والرياضي والمؤسسة الثقافية جميعهم قادرون على توسيع مساحة فلسطين في العالم. وفي زمن أصبحت فيه المجتمعات تؤثر في الحكومات بقدر ما تؤثر الحكومات في المجتمعات، لم يعد كافياً أن نتحدث إلى العواصم؛ علينا أن نتحدث إلى الجامعات والنقابات والمؤسسات الثقافية والإعلام والقطاع الخاص والأجيال الجديدة.
وهنا تظهر أهمية الفلسطينيين في الشتات. لدينا حضور فلسطيني نوعي في أوروبا والأميركيتين والعالم العربي وأفريقيا وأماكن أخرى، ولدينا علماء وأكاديميون ورجال أعمال وأطباء وكتاب وفنانون وسياسيون يمتلكون تأثيراً حقيقياً في مجتمعاتهم. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين وجود فلسطينيين ناجحين في العالم ووجود شبكة نفوذ فلسطينية عالمية. الأول نجاح أفراد، أما الثاني فهو مشروع وطن. والتحدي الحقيقي هو كيف تتحول هذه الطاقات المتناثرة إلى جسور دائمة بين فلسطين والعالم، من دون اختزالها في مناسبات التضامن أو استدعائها فقط عندما تقع الكارثة.
وفي المقابل، علينا أن نتحرر من فكرة خطيرة رسختها عقود الصراع، وهي أن المأساة يجب أن تكون المنتج الفلسطيني الأساسي للعالم. فلسطين ليست جنازة مفتوحة على التاريخ، والفلسطيني ليس إنساناً لا يُرى إلا عندما يُقتل أو يُهجّر أو يفقد بيته. هذه البلاد أنتجت الشعر والرواية والموسيقى والفكر والفن والجامعات والمؤسسات والطاقات البشرية، واستطاعت رغم كل محاولات الاقتلاع أن تنتج الحياة في المساحة نفسها التي أُريد لها أن تنتج اليأس.
حتى غزة يجب ألا تبقى في المخيال العالمي صورة ركام فقط. غزة بحر وذاكرة وجامعات وكتاب وفنانون وأطفال يحلمون ومدن لها تاريخ. والقدس ليست خبراً عن اقتحام جديد فحسب، بل واحدة من أهم مدن العالم روحياً وحضارياً. وبيت لحم ليست صورة موسمية في عيد الميلاد، بل نافذة فلسطينية مفتوحة على الوجدان الإنساني العالمي. حين نستعيد هذه المعاني، نكون قد بدأنا بتحرير صورتنا أيضاً، لأن الاحتلال لا يسعى إلى السيطرة على الأرض فقط؛ إنه يريد السيطرة على تعريف صاحب الأرض.
غير أن بناء القوة الناعمة في الخارج يفرض سؤالاً صعباً في الداخل. فلا يمكن بناء صورة دولة قوية بمؤسسات ضعيفة، ولا الدفاع عن الحرية أمام العالم من دون حماية مساحاتها في مجتمعنا، ولا مطالبة الآخرين باحترام روايتنا بينما لا نمنح الثقافة والمعرفة والإعلام والجامعة والفكر النقدي المكانة التي تستحقها. القوة الناعمة ليست إعلاناً جيداً عن واقع سيئ؛ إنها في جوهرها انعكاس لنوعية المجتمع الذي نريد أن يراه الآخرون ويحترموه.
والفرصة أمام فلسطين اليوم كبيرة بقدر ما هي قابلة للضياع. العالم يعيد اكتشاف فلسطين، وأجيال جديدة أصبحت تسأل وتقرأ وتناقش بعيداً عن كثير من الصور النمطية القديمة. لكن اهتمام العالم ليس ملكاً دائماً لأحد. موجة التضامن التي لا تتحول إلى مؤسسة تنحسر، والعاطفة التي لا تتحول إلى معرفة تضعف، والمعرفة التي لا تتحول إلى علاقة تبقى بعيدة، والعلاقة التي لا تتحول إلى نفوذ تظل عاجزة عن التأثير عندما تُتخذ القرارات الكبرى.
لذلك، فإن السؤال الفلسطيني المقبل يجب ألا يكون فقط: كيف نجعل العالم يسمعنا؟ لقد سمعنا العالم كثيراً. ولا كيف نجعله يرانا؟ فقد رآنا في أكثر الصور قسوة ووضوحاً. السؤال الأكثر أهمية هو: كيف نجعل العالم يحسب حساب فلسطين؟
ذلك هو الانتقال الحقيقي من القوة الناعمة إلى النفوذ؛ من أن تكون قضيتك حاضرة في الضمير إلى أن تصبح حاضرة في القرار، ومن أن تكون رمزاً للتضامن إلى أن تصبح شريكاً لا يمكن تجاوزه، ومن أن تطلب من العالم أن يقف معك لأنك صاحب حق، إلى أن تبني، إلى جانب الحق، شبكة من الثقافة والمعرفة والعلاقات والمصالح تجعل الوقوف مع فلسطين جزءاً من رؤية العالم لمصالحه وقيمه ومستقبله.
فلسطين لا تحتاج إلى اختراع قوتها الناعمة؛ إنها تملكها منذ زمن. تملك الإنسان والرواية والقدس والتاريخ والثقافة والانتشار والرمز، وتملك فوق ذلك كله قضية استطاعت، رغم قرن من محاولات الإلغاء، أن تبقى حية في ضمير العالم.
ما ينقصنا هو أن نجمع هذه القوة المبعثرة في مشروع وطني واحد. لأن الدول والشعوب لا تصبح مؤثرة عندما يعرف العالم أنها موجودة فقط، بل عندما يصبح وجودها جزءاً من حساباته. وربما تكون معركتنا القادمة، إلى جانب معركة الأرض والحرية والسيادة، هي معركة تحويل فلسطين من قضية لا يستطيع العالم أن ينساها، إلى قوة لا يستطيع العالم أن يتجاوزها.



