الرسالة على هامش الثورة
الكاتب: عبد الغفور عويضة
راية نيوز: الخامس و العشرين من كانون الثاني بداية عام قرر فيه المصريون كسر حاجز الصمت بمظاهرات شبابية امتدت لكافة المدن المصرية بصرخات صادقة نقية اعياها ظلم النظام و حال بينها وبين حياة كريمة لا ترتقي الى الحد الادنى من الحرية وشعور بضياع حقوقهم في الوقت الذي يتمتع به اخرين بتخمة وفائض من هذه الحقوق فكانت صرخة الشباب حاسمة كاسرة حاجز الصمت الذي طالما فرضته دكتاتورية النظام و حالة الطوارئ المفروضة في البلاد مطالبة بإسقاط الرئيس و اسقاط النظام... هذا النظام الذي لم يدرك طبيعة هذه التظاهرات في بداية الامر فتتعامل معها على انها مظاهرات معتادة تنظمها احزاب معارضة كحزب كفاية و الإخوان المسلمين غير ان القمع الامني لم ينجح وسط أعداد المشاركين فيها و التأكيد على مطالبهم, فحاول مبارك يخلع ثوبا ارتداه لمدة ثلاثين عاما فعين نائبا له و أقال حكومة و عين اخرى و أقيل أعضاء من الحزب الوطني الحاكم و عين اخرين غير ام شيئا لم يحدث، ففرض حصارا على المتظاهرين في الميدان ولكن الفشل كان حليفه ، اخرج مسجلين الخطر ليعيثوا فسادا في البلاد لينحدر بذلك من نظام حاكم الى ميليشيا تخريبية تتخذ من العربدة و البلطجة سبيلا لتحقيق هدفها، تلك كانت الثورة و تلك كانت أهدافها، غير أن هناك أمورا ظهرت على هامش الثورة كان لها وسيكون لها اكبر الاثر على هذه الثورة و مضيها قدما لتحقيق أهدافها فكان فيها الاعلام و كانت فيها المعارضة و كان فيها التدخل الخارجي و تحديدا التدخل الامريكي، هذه الامور عملت بشكل او باخر محاولة اجهاض الثورة و اخراجها عن مسارها الشريف و هذفها النبيل الذي دعا اليه الشباب غير ان الوعي الشبابي كان يعمل على احباطها في كل مرة .
فعلى المستوى الاعلامي فان اقل ما يقال عن الاعلام الرسمي المصري منذ البدء بالثورة و لغاية الان انه مخزي ولا يرتقي الى المسؤولية التي تخدم الحقيقة و رسالته الاعلامية و أن بدا أن هناك مبررات كثيرة ولا حصر لها غير أنها مبررات واهية لا تعكس إلا إرادة النظام الحاكم و تحالف السلطة القائم مع رأس المال الأمر الذي افقده الثقة خلال الأحداث لأنه ابتعد قصدا عما يدور في البلد ففي الوقت الذي كانت فيه حشود المواطنين تهتف في الإسكندرية و القاهرة و السويس بـ" الشعب يريد اسقاط النظام" كانت صورة البث المباشر الرسمي المصري تنقل صورة لكورنيش النيل الخالي تماما إلا من بعض المارة الذين بدوا و كأنهم يتمشون كالعادة على الكورنيش، كما أن الصور التي نقلتها هذه القنوات للتظاهرات الداعمة لبقاء مبارك كانت تعتمد على اللقطات المتوسطة و القريبة دون استخدام اللقطة العامة التي من المهني أن تستخدم في مثل هذه الأحداث لتتحدث الصورة عن الحدث و افتقرت الى اللقطات العامة التي تعبر بشكل اكبر عن مدى مشاركة الشعب في هذه المظاهرات في الوقت الذي غلبت هذه اللقطات على صور قناة الجزيرة مثلا للمتظاهرين في ميدان التحرير،وقد حاول النظام أن يؤكد أن ما ينشره إعلامه حقائق ولأجل هذا الهدف سارع الى قطع خدمة الانترنت عن البلاد و الى إيقاف خدمات الرسائل النصية القصيرةSMS و إغلاق مكاتب القنوات الفضائية العربية و الدولية خاصة قناة الجزيرة الفضائية و اعتقال الصحافيين العاملين في هذه المحطات و الاعتداء عليهم بالضرب غير إن هذا تم كسره و التغلب عليه من خلال إتاحة سبل التواصل البديل و الاعتماد أكثر على الصحافيين المستقلين و المتواجدين في الميدان و إتاحة سبل تواصل جديدة كالدعم الذي قدمه وجوجل و تويتر عبر شركات الاتصالات المحلية، وسط هذا التدليس و الكذب الاعلامي، وسط تعتيمه على الحقائق الجارية في البلاد ووسط اثارة للاشاعات في اواسط المتظاهرين ووسط انعدام المسؤولية الاجتماعية للاعلام الرسمي المصري ووسط هذا التناقض المهني و الاخلاقي لهذا الاعلام ووسط التهديد بالقتل و الاغراءات المادية فان هناك من الاعلاميين العاملين في المؤسسة الاعلامية الرسمية في مصر ادركوا هذا الخطاء وسارعوا الى الالتحاق بالمتظاهرين و تجنيد امكاناته الاعلامية لخدمة الثورة؟
الامر الثاني على هامش الثورة هذا هي المعارضة ، هناك اثر كبير تركه سلوك المعارضة المصرية في نفسي اعتمد اساسا على التفريق بين معارضة الفنادق ومعارضة الشوارع، اعتمد على ان تكون معارضا من اجل المعارضة و ان تكون معارضا من اجل ان تحصل على حقوقك المسلوبة ، اعتمد اساسا على ان تكون معارضا انطلاقا من مبدأ خالف تعرف و ان تكون معارضا من اجل ان تكون بلدك الافضل, ففي الميدان كانت المعارضة و أحزابها و حركاتها المعروفة و كانت معارضة الشباب الثائر النبيل هذا الامر ادى الى ازدواجية المطالب في مرحلة من مراحل الثورة و تحديدا بعد خطاب الرئيس مبارك الاول ذو الشحنة العاطفية ففي الوقت الذي كان يصر فيه الشباب على اسقاط النظام و رحيل الرئيس و من ثم الحوار سارعت هذه المعارضة الى الحوار مع من كانت تهتف بعدم شرعيته و عدم رغبتها في رؤيته في الحكم مع مبارك و هناك ساد نوع من الانسجام بين الحكومة و المعارضة التي طالما كرهتها و اعتقلت و عذبت أعضائها في سبيل عزل الشباب في التحرير وهو امر ادى الى تراجع طفيف على حركة الشباب المتظاهرين في وقت من الأوقات كان فيه انسجاما بين المعاضة و سليمان و هو امر طبيعي فالمعارضة المصرية لم تخرج يوما مطالبة باستقالة حسني مبارك او تغيير النظام بل ان ما كانت تطالب به و تصر عليه هو تغيير المادتين 76 و 77 من الدستور المصري و هو امر وافق عليه سليمان و مبارك بل ان مبارك في خطابة كان صريحا اكثر من اللازم حين قال : انني لن انتوي ان أرشح نفسي مرة اخرى لرئاسة الجمهورية " و بهذا تكون مطالب المعارضة قد تحققت ووجد اساس مشترك بينها و بين الحكومة من اجل التفاوض عليه و هو عدم الرغبة في إقصاء مبارك ففي الوقت الحالي في الوقت الذي لا يروق ذلك للشباب الثائرين و بذلك تبقر المعارضة ممسكة بالعصى من المنتصف مع الحكومة تارة و مع الثورة تارة اخرى بعد ان حاولت سرقة ثورتهم و الصعود على حسابها غير ان شيئا من هذا لم يتحقق فهي تريد ان مكاسبا ايا كانت النتيجة متصفة بشئ من الميكافلية و هذا هو الفرق بين الثائر النبيل و المعارض السياسي فاذا كانت الغاية تبرر الوسيلة عند السياسي فانه عند الثائر لا وجود لمبدا ميكافلي هذا فالغاية معروفة و الوسيلة واحدة.
الهامش الثالث هو التدخلات الخارجية لا سيما الامريكي و الترويج ان ما يجري يخضع لسناريوهات و أجندات خارجية تستهدف نظام مبارك، و هذا هو الخيال و الهذيان و الإشاعة، كذلك هناك اصوات امريكية تدعو الى ان يكون التغيير فوريا و انتقال السلطة سلسا، و غيرها من الاصوات غير ان ما يمكن ان يقال هنا أن تخرس كل الاصوات و يسقط كل احتمال للمؤامرة عندما يتحدث الشعب فنظرية المؤامرة التي يتحدثون عنها قد ولدت ميتة اصلا فمن يريد ان يتآمر على نظام مبارك اسرائيل؟؟!! الولايات المتحدة؟؟!! انا لا اعتقد ذلك باي شكل من الاشكال و لا أي عاقل يعتقد هذا الاعتقاد لانه لا يخفى على احد الخدمات الجليلة التي قدمها مبارك و نظامه على مدار ثلاثين عاما لاسرائيل و الولايات المتحدة تحت مسمى السلام و اتفاقية كامب ديفيد للسلام ، و نظام مبارك كان متخصصا في محاربة ما تطلق عليه الولايات المتحدة الإرهاب فطالما اعتقل و عذب و عزل الإخوان المسلمين و طالما شارك بشكل او باخر في الحصار الذي تفرضه اسرائيل على غزة، ثم ان الملاحظ لكل مراقب مدى الخوف و الجزع الذي زرعته ثورة الخامس و العشرين من يناير في نفوس القادة الاسرائيليين و الارتباك الذي سببته في نفوس و عقول سكان البيت الأبيض، فاي مؤامرة تلك لا بل انه الشرف العربي و النبل المصري و التعطش للحرية و حقوق الانسان و العيش الكريم هو المحرك لهذه الثورة، لقد ان لهذه الاصوات ان تصمت ، كما ان لصوت امريكيا ان يخرس فلا مجال لزرع الشك بان هولاء يتحركون بأمرها او تبدو أنها داعمة لهم و تقف ورائهم .
ان الحركة الشعبية في مصر و من قبلها في تونس خلقت حالة من الخشية و الخوف عند دول العالم "الاول" و خاصة الدول التي تمتلك مصالح في منطقة الشرق الأوسط و المنطقة العربية، بعد ان شاهدت هذه التحركات الشعبية الجدية الامر الذي وضعها في حالة من عدم التوازن و التخبط السياسي لان الامر خرج عن سيطرتها فهي لم تعد جيدا لهذا اليوم حتى ان المعارضين المحسوبين عليها ليس لهم سلطة يمكن الحديث عنها بشكل كبير في هذه الحركة الشعبية كالبرادعي مثلا.
وهي ايضا أفقدت اسرائيل تركيزها فتارة يتحدثون في الجيش الاسرائيلي عن اعادة احتلال لمحور فلدلفيا و تارة عن تعزيز جبها ت الاردن و السلطة و اسرائيل و اخرى أن يتحملوا مسؤولية اكبر تجاه ما يجري في مصر ورابعة جعل ما يجري في مصر هو محور الحديث او جدول اعمال مؤتمر هرتسيليا للأمن لهذا العام، و هذا كله يعكس أمرا واحدا وهو أن هذه الثورة ثورة شعب حقيقية و ليست هبة معارضة، ثورة نبيلة شريفة لا تخضع لاي اجندات خارجية و على قدر عال من الحكمة و التنظيم و الإصرار الذي سيؤدي الى تحقيق الهدف المعتمد كشعار على مدار ثلاثة عشر يوما لغاية الان " الشعب يريد اسقاط الرئيس " وهي ماضية قدما الى الامام حتى تحقق هدفها، ارحل مبارك دون أن تلتفت الى الوراء او دون أن تركز على الهامش و ما عليه من رتوش.
رئيس التحرير في مجلة خارقة الجدار



