صعود قوة المجتمعات أمام السلطات الحاكمة
الكاتب: محمد سيد رصاص
شئنا أم أبينا، فإن مسار تطور الغرب الأوروبي الحديث كان المنارة للتطور العالمي، حيث كانت انكلترا دائماً تفتتح المراحل اجتماعياً واقتصادياً، وكشكل لنظم الحكم، وعلى صعيد الفكر وإن نافس الألمان الإنكليز (البريطانيين منذ 1707) في هذا المجال.
بدأ المسار الغربي نحو الحداثة في عام 1215 عندما أُجبر الملك الانكليزي، أمام ضغط البارونات الإقطاعيين والكنيسة، على منح الوثيقة الحقوقية، المسماة بـ"الماغنا كارتا"، التي أعطت ضماناً للحقوق وحكم القانون للطيف الاجتماعي، الذي كان الإقطاعيون ورجال الكنيسة أقوى فئاته، عبر مؤسسات مثل البرلمان ومحاكم فيها هيئات محلفين تنتقى أو تنتخب من المجتمع.
وعملياً، خلال مسار ثمانية قرون لاحقة، كانت الحداثة مرتبطة بمدى ما يأخذه الحيز الاجتماعي من حيز السلطة، مع إنشاء توازنات، بينهما، عبر المؤسسات.
في عام 1534، مع تأميم الملك هنري الثامن لممتلكات الكنيسة والأديرة، من مزارع ومناجم وهو ما تزامن مع انفصال كنيسة انكلترا عن روما، بدا أن سلطة الملك قد عادت لتصبح مطلقة مع تحول كل تلك الممتلكات إلى عهدة الملك وهو ما ترافق مع صعود في قوة انكلترا العالمية عندما أصبحت سيدة أعالي البحار بعد هزيمتها للإسبان في 1588 بمعركة الأرمادا. كان اضطرار خلفاء هنري الثامن إلى بيع تلك الممتلكات إلى أغنياء الريف وتجار لندن ومانشستر مؤدياً إلى حرب أهلية لما ثار هؤلاء، من خلال البرلمان، ضد سلطة الملك المطلقة، استغرقت سبع سنوات حتى انتهت بقطع رأس الملك عام 1649 ثم تأسيس الجمهورية برئاسة أوليفر كرومويل، ليعطي هذا قوة دفع كبرى لتطور اقتصادي اجتماعي لم تستطع فترة عودة الملكية، منذ1660، أن تقطع سياق مساره الذي انتهى بثورة 1688 التي أجبرت الملك أن يكون في وضعية "من يملك ولا يحكم" لصالح سلطة البرلمان، الذي زادت تمثيليته للمجتمع بشكل مضطرد حتى تطور 1830 الكبير عبر مرسوم الحقوق الانتخابية، الذي تم
تعميمه خلال تطورات القرن العشرين لكي يشمل كافة المجتمع. من هنا، كان طبيعياً أن تكون بريطانية من خلال الاسكوتلندي دافيد هيوم (1711- 1776) هي صاحب مصطلح (المجتمع المدني)، وهو ما لا يمكن عزله عن فكرة سابقه الانكليزي جون لوك (ت1704) حول (الحكومة المدنية): في فرنسة ما بعد ثورة 1789 كانت ولادة قوة الحيز الاجتماعي أمام حيز السلطة أكثر ايلاماً وعنفاً، لتستغرق أكثر من قرن حتى أعطى فشل حركة الجنرال بولانجيه، المناصرة لعودة الملكية في عام 1889، مساراً مقارباً للمسار الانكليزي مع تأسيس الجمهورية الرابعة عقب التحرير من الاحتلال الألماني (1944- 1959) قبل أن تؤدي التعديلات الدستورية مع الجنرال ديغول إلى جمهورية رئاسية أخذ فيها الرئيس من صلاحيات البرلمان بمجلسيه ولكن من دون سلطة (الحيز الاجتماعي).
كانت نماذج ديكتاتوريات موسوليني وهتلر وفرانكو وسالازار بمثابة محطات أوحت بانقطاع هذا التطور الغربي العام، وهو ما ترافق مع الدولة الشمولية السوفياتية بقيادة جوزيف ستالين: أعطت تطورات ما بعد 1945 مسارات ألمانية وايطالية معاكسة للنازية والفاشية، ثم أتى نموذج اسبانيا ما بعد فرانكو، وقبل هذا بقليل الديموقراطية البرتغالية منذ ثورة 25 نيسان 1974 التي اجتمعت فيها المؤسسة العسكرية مع المجتمع بغالبية فئاته في عملية إسقاط الديكتاتور الفرد، لكي يدللا على تطور ديموقراطي نحو برلمانية تمثيلية كان فيهما التطور الاقتصادي المؤدي إلى تنامي قوة الفئات الوسطى هو القاعدة الاقتصادية - الاجتماعية لقوة (المجتمع المدني) أمام (السلطة). في كوريا الجنوبية1987، التي قادت فيها الديكتاتورية العسكرية منذ عام 1961 نموها الاقتصادي، كان إسقاط الحكم العسكري في ذلك العام لصالح ديموقراطية برلمانية ناتجاً عن تحول سلطة الجنرالات إلى قميص ضيق للقوى الاقتصادية التي نتجت في المجتمع الكوري الجنوبي عن تحوله إلى "نمر اقتصادي". في نماذج (الكتلة السوفياتية) كان الحزب الحاكم في وضعية عسكر سيؤول ولكن أمام قوى اجتماعية أنتجتها الثورة الاقتصادية التقنية - الثقافية التي قادتها منذ العهد الستاليني تلك الأحزاب، لتصبح الأخيرة متجاوزَة من القوى الاجتماعية التي خلقتها، والتي أي تلك القوى - أصبحت ترى في تلك الأحزاب قوى متسلطة سياسية غير تمثيلية لها وعائقاً مؤسسياً أمام انطلاقها الاقتصادي عبر نموذج (اقتصاد السوق). لم تشتعل ثورات خريف 1989 بفعل دينامية داخلية محضة في بلدان الكتلة السوفياتية وإنما رأت تلك القوى الاجتماعية، والاقتصادية الكامنة، في اختلال التوازن الدولي لصالح الولايات المتحدة في عهد غورباتشوف فرصة للانقضاض على السلطات المحلية في بلدانها.
هنا، لم يشهد العالم العربي تطورات كهذه في القرن العشرين: خلال الفترات الليبرالية، في مصر 1923-1952 وسوريا 1946-1958، ونماذج حكم المؤسسة العسكرية التي تكرست مشروعيتها عربياً منذ النموذج المصري لفترة ما بعد 23 تموز 1952، لم نشهد قوةً للحيز الاجتماعي أمام حيز السلطة، وإنما كان الأخير إما مرتهناً ومجيِراً نفسه لزعيم حزب أو لحزب في البرلمان ثم لضابط عسكري أو لمؤسسة عسكرية، ولم تكن هناك قوة اجتماعية تفرض قوتها لتستطيع احتلال مساحة في الحيز السياسي، سواء كان مدنياً أو عسكري الشكل، وإنما كانت علاقة محكومة بالسلبية ورد الفعل أمام الحيز الأخير.
ظهرت ارهاصات معاكسة لهذا أولاً في تونس أمام سلطة بن علي من إسلاميي راشد الغنوشي بين عامي 1987 و1991، ثم بوجه عسكر الجزائر من قبل (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) بين 1989 و1992، قبل أن يتم سحقهما: خلال هاتين التجربتين، ثم تجربة مصر حسني مبارك ومواجهته مع الإسلاميين بتنوعاتهم، ظهر الحكم العسكري، المعزز بحزب "حاكم" وأجهزة الأمن، وحيداً من دون أي قوة للمجتمع المكمم الأفواه، متمتعاً بدعم واشنطن في وجه الإسلاميين، ومعززاً بفئة اجتماعية أنتجها العسكر أو تفيَئت بظلهم في البلدان الثلاثة المذكورة، هي (رجال الأعمال). خلال عشرين عاماً، مضت في العقدين السابقين، ظهر
استقرار للأمور سكوني في تونس ومصر، ثم في جزائر بوتفليقة منذ عام 1999مع هزيمة الإسلاميين الأمنية، لم تعكره معاكسِات قوية تضرب مشهديته تلك.
في تونس 17 كانون أول 2010-14 كانون ثاني 2011، ومصر 25 كانون الثاني-11 شباط 2011، انفجرت ثورتان اجتمعت فيهما غالبية القوى الاجتماعية ضد السلطتين هناك، ليثبت عبرهما المجتمع التونسي، وبعده المصري، أن هناك مجتمعاً قد أصبح لأول مرة رقماً صعباً- قوياً أمام حيز السلطة السياسية، ولو أن التوانسة، والمصريون، لم يستطيعوا، كقوة اجتماعية، أن يطيحوا برأس الهرم السياسي إلاعبر اجتماع تلك القوة الاجتماعية مع "الحياد الايجابي" لكل من المؤسسة العسكرية والغرب الأميركي- الأوروبي.
هل يدلل المثال الليبي، ومعه نظيره اليمني، أن المجتمعات العربية، المعقدة التركيب البنيوي، هي عسيرة اللحاق بالمجتمعين التونسي والمصري، حيث توجد بالأخيرين بنية مجتمعية من دون شروخ بنيوية دينية (وهذا يشمل مصر)، أو فئوية طائفية أو قبلية، أو مناطقية مختلطة مع القبائلية (الشرق الليبي) أو مع الفئوية الطائفية (حوثيو اليمن في منطقة شمال صنعاء) أو مع الحزبية السياسية (جنوب اليمن)؟.



