إما السلام مع إسرائيل وإما المصالحة مع حماس
الكاتب: الكاتب والباحث الفلسطيني :جميل عبد النبي
إما السلام مع إسرائيل وإما المصالحة مع حماس
غريب هذا المنطق الصهيوني ....... يخيّر الضحية بين التصالح مع نفسه أو التصالح مع قاتله ... لو كنت ممن يجيد كتابة الشعر لسمحت للكلمات أن تعبر عن حجم دهشتي من هذا المنطق الذي تجاوز كل حدود الوقاحة ، ولحاولت أن أزن الجمل وأستدعي المفردات لكني للأسف لست شاعراً أنا فقط مجرد مواطن فلسطيني يحب وطنه وأبناء وطنه يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم مزقه انقسامهم وشتت ذهنه وعقله خلافهم ، مواطن لا يعترف بكل المبررات التي تسوقها الأطراف المختلفة و لا يقتنع بأن المقاومة تمنح المقاومين حق القسوة والاختلاف مع إخوانهم ..... وأيضا لا يقتنع أن العقلانية والواقعية تستدعي إدارة ظهورنا إلي شركائنا في الوطن ورفاقنا في المعاناة .
والآن وقد جاءت هذه اللحظات التي طال انتظارها وأُعلن بالفعل عن توقيع اتفاق مصالحة ولو بالأحرف الأولى ... الآن وقد جاءت هذه اللحظة ، على كل الأطراف في الساحة الفلسطينية أن تمهد الطريق لنجاح هذه المحاولة ، بدءً بطرفي الانقسام ومروراً بباقي الفصائل ، المطلوب الآن أن نبتعد عن كل ما من شأنه أن يعكر الأجواء ، وأن لا نسمح لبعض الجهات التي تتغذى على الانقسام أن تسرق منا هذه اللحظة ، خاصة وأن الإبقاء على حالة الانقسام - بدا واضحاً الآن - ينسجم مع الإرادة والأمنية الإسرائيلية ، ولقد كنا طوال السنوات الماضية نؤمن أن إسرائيل هي التي تغذي الانقسام وتريده ، وتتمنى أن يفضي هذا الانقسام إلى انفصال تام لغزة ، يقذفها في اتجاه مصر أو حتى في اتجاه البحر ، المهم أن تتخلص إسرائيل من مليون ونصف المليون من البشر بأقل قدر ممكن من الأرض ، ومن هنا كنا نحذر في كل فرصة تتاح لنا وبالقدر الذي تسمح به ظروفنا من خطورة التساوق مع المخططات الصهيونية .
الآن ... تم توقيع مسودة الاتفاق أو كما يقولون بالأحرف الأولى ، يأتي نتنياهو ليحذر السيد محمود عباس ويخيره بين حماس وإسرائيل ، وإن كنا نثمن رد السلطة على إسرائيل بتخييرها بين السلام والمستوطنات ، إلا أنني كنت أتمنى لو كان الرد على هذه الوقاحة الإسرائيلية بطريقة مختلفة تماماً ، وهذا الذي دفعني لكتابة هذه المقالة البسيطة ، والتي سأحاول من خلالها أن أوجه رسالة إلى الرئيس محمود عباس أتمنى عليه لو استمع لها وأخذ بها ، وهي رسالة من مواطن محب له ولكل الفلسطينيين ، ولا يرى مستقبلاً له ولا لأولاده إلا بالوصول إلى حالة من التعايش السلمي بين أبناء الشعب الفلسطيني .
السيد الرئيس محمود عباس / ندرك حجم الضغوط التي تتعرض لها من كل جهات الأرض ، كما وندرك أن ذوي القربى كانوا أول من تخلى عنك وتركوك وتركوا فلسطين كلها ، أهلها وترابها ليواجهوا مصيرهم وحدهم ، ووقفوا بعيداً ، وتحولوا إلى مجرد داعمين كما يقولون بالمال لا بالسلاح ، وبالأقوال لا بالأفعال ، وهم في حقيقة الأمر ضاغطون حتى أكثر من غيرهم ، لأن فلسطين تشكل لهم حرجاً تمنوا كثيراً أن يتخلصوا منه ، وندرك أيضاً أن هناك مستفيدون من حالة الانقسام ، سيحاولون عرقلة هذه الخطوة التاريخية والوطنية بامتياز ، لكننا نثق في ذات الوقت أنك قادرٌ إذا أردت على القفز عن كل ذلك والالتفات نحو شعبك الذي سيقف خلفك إذا أنت أدرت ظهرك لأعداء الوطن ، والتفت فقط لوحدته ولحمته ، أما بخصوص هذا الاستعماري القذر المدعو نتنياهو ، وكل من تجرأ على مثل قذارته ، بأن يخيرك بين إسرائيل وحماس فإنني أتمنى عليك أن تعقد مؤتمراً صحفياً يشاهده العالم بأسره وتعلن فيه : أن مجرد التجرأ على طرح هذا الخيار يمثل اعتداءً على وطنيتك وعلى فلسطين ، وأنك حتماً ستختار المصالحة مع شعبك ومع حماس ، لأن حماس - التي نختلف معها في الكثير من التفاصيل - كانت ولا زالت جزءً أصيلاً من الشعب الفلسطيني وهي مكون أساسي من مكونات النسيج الوطني والاجتماعي الفلسطيني ، وأي خلاف معها سيبقى داخل دائرة الوطن ، وسنصل حتماً إلى علاجه ، وإن لم نستطع سنعود للشعب الذي تشكل أنت وحماس أجزاءً أصيلة منه ، سنعود للشعب ليقرر ، أما إسرائيل فهي من اعتدى على التاريخ والجغرافيا الفلسطينية ، وهي المسئولة عن معاناة ملايين الفلسطينيين اللاجئين وغير اللاجئين ، إسرائيل هي التي أراقت دماءنا على مدار ستة عقود ماضية في كل طرقات الوطن ، وهي التي اعتدت على المقدسات وهي التي تسعى لتفريغ الوطن ممن تبقى من أهله ، فكيف لنا أن نضع إسرائيل وحماس في صف واحد ؟!
أتمنى عليك سيادة الرئيس أن لا تترك مجالاً للشك في مواقفك ، وأن لا تمنح أعداءنا أي أمل بأن يرقصوا على طبول خلافاتنا .
لا نريد دعمهم ولا أموالهم ، نريد أهلنا ووحدة شعبنا ، لا نريد دموعهم الكاذبة على دماء شهدائنا ، نريد العودة إلى عمقنا العربي والإسلامي .
إن التحولات الجارية في المنطقة العربية لن تكون إلا في مصلحة فلسطين بإذن الله ، وإن الشعوب التي بدأت تستعيد دورها في المنطقة لن تسمح بأن يموت الشعب الفلسطيني جوعاً ، لا خوف على قضيتنا إلا إذا أبقيناها في يد المسئولين عن نكبتنا يتقاذفونها ككرة رخيصة ويتلاعبون بها كدمية طفل ساذج لا يعرف أين تكمن مصلحته .
وإلى الإخوة الأعزاء في حركة حماس / توقفوا عن كل ما يشوش على هذا المطلب الوطني الفلسطيني ، أوقفوا الحملات الإعلامية ، ابتعدوا عن خطاب التشكيك ، استغلوا هذه اللحظة التاريخية ، وسجلوا في صفحات التاريخ أن حماس كانت عاملاً من عوامل الوحدة وليس العكس .
هذه لحظة تاريخية يجب التمسك بها من الجميع ، فقد آذانا الانقسام وشوه صورتنا ، وآن لنا أن نسترد هذه الصورة الجميلة التي طالما فاخرنا بها وتشرفنا بالانتماء لها .
الكاتب والباحث الفلسطيني :جميل عبد النبي



