الكاتب: أ.محمد عبد الحميد الاسطل
لقد عانى ولا يزال الشعب الفلسطيني عموما وأبناء غزة خصوصا من تردي الأحوال المعيشية حيث وصل الفقر إلى أعلى مستوياته- إن صح التعبير- بحيث استشرت البطالة بين أبنائه ، وكسد سوق العمال ، ولم يبق لهم من روافد معيشية فى الحياة إلا تلك المؤسسات الداعمة التي نهبت منا أجزاء كبيرة من الكرامة- ان كان بالمكان تجزئة الكرامة - من خلال نوافذ أو شبابيك الكابونات التي تقاطرنا عليها بداية باستحياء ثم انتهاء بلهفة وترقب ، وبين الأمس واليوم اكتنفتنا مجموعة من المصاعب حالت دون أي إصلاحات من شانها تخفيف العبء عن المواطن الذي ما فتئ يتلفت باحثا عمن يمنحه بارقة أمل فى الحياة ؛ بين ثنايا هذا الزمن الذي فغر فاه فما عاد ينتظر قاعدا أو منتظرا ، حيث بات يهرول بنا عبر متاهات الزمن الآسن بفضاءاته وفضائياته واختراعاته التي لا تكاد تتوقف حيث تحول ما كان بالأمس آخر الكماليات إلى أهم الأساسيات ، وبين ملفات المصالحة التي أكلت من وقتنا وعمرنا وجهدنا والمخاوف التي اعترتنا خلال تلك الفترة ؛ يبرز علينا كثير من الشخصيات الكبيرة من حيث المال التي نرجو أن تكون كبيرة من حيث العطاء ، كما يبرز معها كثير من الشخصيات التنظيمية تقوم بكنس الشوارع ، مهتمة كثيرا بالنظافة البيئية مسلطة الضوء على هذا المرض المستشري بيننا ، أو مسلطة الضوء على هذا التواضع الكبير الذي فجأة رأى في هذه القامة آفة خطيرة يجب إماطتها ؛ فهب ليكنسها في لحظية تاريخية من قضيتنا ، وهو أمر مهم ومحمود ورائع ، ولكن الأهم من ذلك والأروع - بالتأكيد - هو كنس الفقر من البيوت ، فبعيدا عن الخطابات الحماسية والشعارات الجوفاء التي لن تقدم كثيرا - مع كامل التقدير لكل الشخصيات الاعتبارية التي نجلها - أرى انه من الواجب أن اطرح مجموعة من التساؤلات ، بداية بماذا قدمتم على صعيد العمل للطاقات الكامنة- الشباب والتي استهلكت بفعل التقادم ؟ وهل هناك مانع من استثمار الأموال الطائلة التي تملكون بعيدا عن حساب الربح والخسارة ، والتي من شانها تخفيف العبء عن الشباب ؟ وهل بالضرورة أن تظهر هذه الشخصيات في وقت محدد دون سواه ، مثلها مثل الأحزاب التي لا يراها الناس إلا قبيل الانتخابات لتستولي على صوتها بالخطب الرنانة والشعارات الجوفاء ، ؟ وهل التنظيمات التي جابت البلاد والعباد على مدى السنين الماضية تجمع باسم الشعب الفلسطيني المحاصر أموالا طائلة ، فهل وضعت هذه الأموال في خزينة الشعب وللشعب ؟ أم في خزينة التنظيم والأفراد التابعين له ؟ وهل فكر رجال الأعمال -بصريح العبارة - بالمواطن المتهالك قبل دخولهم إلى معترك السياسة ؟ وهل أنصفت بعض الأحزاب شعبها ؟ وأدركت أن ما جمعته باسم الحصار لهو حق مشروع للشعب الفلسطيني بأسره وليس لتنظيم بعينه ؛ مستندا في قولي لقول عمر بن الخطاب : " افلا جلست في بيتك فنظرت ماذا سيهدونك الناس " ؟ تساؤلات كثيرة أدرك كما يدرك الكثيرين أن بعضها محرم إن لم تكن كلها ، ولكن لا خير فينا إن لم نقلها ولا خير فيهم إن لم يسمعوها ، فالفقر الذي بات يهاجم البيوت كأنه أعتى الأعاصير أو الأمراض لا يدع لنا خيارا للسكوت ، ولو أننا نملك جهازا رقابيا عاليَ الكفاءة والصلاحيات - الذي نرجو أن يوجد قريبا - في وقت انتزعت فيه الصلاحيات بفعل القوة والنفوذ ؛ لوضع في قفص الاتهام العديد من الأشخاص ناهيك عن بعض التنظيمات ، ولو أحصينا الأموال التي جمعت كمساعدات للشعب الفلسطيني بحجة الحصار الخانق لوجدنا ميزانية ضخمة لا نعرف أين توجهت أو كيف وزعت ، وكأن الحال الأعمى الذي نعيشه يحتم علينا أن نظل جاهلين بواقع ربما يكون أكثر عجزا منا ، فنحن ربما نصرخ في زقاق أو حارة أو مخيم غير أن صدى الصوت لن يتجاوز حاجز الرؤية ليعود إليك محملا بأنواع من المهانات وربما الغمز واللمز الذي لن تستطيع مقاومته .
فهل دقت الساعة بعد إنهاء ملف المصالحة على خير؛ لنكنس الفقر بما كُدّس بين دهاليز الجمع والطرح من أموال طائلة كانت حقا للعجوز واليتيم والعامل - والتي استأثرت بها بعض التنظيمات بحجة الحق فى الجلب لهم دون سواهم - الذي لا يجد قوته وأهدرت كرامته بفعل التسول العصري ، أم أن الوقت لم يحن بعد بحجة المقاومة والسلاح والقدس ؟
أسئلة كثيرة مؤلمة في وقعها وواقعها ، ولكن الأشد إيلاما منها هو ما سأشير إليه بقدرة الأمريكان في إجهاض ثورة جيفارا حيث راهنوا على المال ، ففى الوقت الذي كانت الثورة - المقاومة - تعطي الناس وتمنحهم ، التفوا حولها وساندوها ، ولكن عندما تحولت الثورة - المقاومة - عبئا على الناس تفرقوا من حولها ، وحانت نهايتها .
قد لا يجد رجل أعمال فرصة جيدة لدخول معترك السياسة إلا في وقت الخصومات ، كما قد تستأثر بعض التنظيمات بالمال المجموع بقولها : انه حق طبيعي لها ، ولكن لو طرح هذا الملف فى الانتخابات القادمة بشكل لافت فهل لديهم بالفعل إجابات شافية للجوعى والمرضى والجالسين خلف طابور البطالة الطويل ؟؟؟
ملاحظة / هناك فرق كبير بين أن تجمع المساعدات باسم حكومة الشعب الفلسطيني وبين أن تجمعها باسم تنظيم معين ؟؟؟
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.