هزيمة وقيامة
الكاتب: افتتاحية دار الخليج
لكن عروق الأمة لم يصبها اليباس وظل فيها نبض حياة، ورفضت، رغم كل آلامها وإحباطاتها، أن ترفع الراية البيضاء، وصرخت بصوت واحد: لا صلح، لا مفاوضات ولا استسلام .
ومثلت حرب الاستنزاف بعد الهزيمة مباشرة خيط الأمل الذي يبشر بأن الأمة قادرة على الصمود، ثم جاءت حرب اكتوبر/تشرين الأول 1973 لتؤكد قدرة العرب على هزيمة الهزيمة، وتحطيم مجموعة من الأساطير حول عدو ما عرفنا كيف
نقاتله من قبل . وكان يمكن لهذه الحرب أن تقربنا من فلسطين ومسح غبار النكبة عن وجهها لولا أن تم إدخال تلك الحرب ونتائجها في بازار التسويات والمساومات .
وخلال سنوات النكسة جرت مياه كثيرة في المنطقة، ووقعت عواصف وأعاصير بعضها عمق الجرح، كما في احتلال العراق، وبعضها أعطى الأمل بأن الأمة قادرة على المواجهة، وأن العدو يمكن هزيمته كما في الانتفاضتين وفي تحرير جنوب لبنان عام ،2000 والعدوان على لبنان عام ،2006 والعدوان على غزة أواخر عام 2008 .
في الحروب والوقائع الكبرى، انتصارات وهزائم، لكن الأهم أن لا تهزم الروح والإرادة، فأمم كثيرة هزمت لكنها عادت ووقفت على قدميها، لأنها في اللحظات الحاسمة استدعت كل ما لديها من احتياطي القوة والعزيمة وحولته إلى رافعة .
واجهت الأمة العربية مثل ذلك، إلى درجة أن البعض استسلم لليأس وبدأ يدبج المواقف التي تتحدث عن موت أمة، وذهب البعض الآخر إلى حد التبرؤ من الانتماء إليها . . لكن في لحظة من لحظات يناير/كانون الثاني الماضي فاجأتنا الأمة وعلى حين غرة بقيامتها، لتعلن من تونس أنها عادت تصنع آمالها وأحلامها، ويمتد الصدى شرقاً وغرباً ويتردد الصوت مزمجراً في الساحات والشوارع ليعلن ميلاداً جديداً للأمة، بعضه مخاض عسير عسير، وبعضه أنجز بعض أهدافه ومصمم على المسير .



