فنجان قهوة يبعث أملا وآخر بطعم الموت
الكاتب: نشات الوحيدي
في اللحظات الأولى من صباح الإعتصام الأسبوعي التضامني مع الأسرى يجلس الفاضل أبو دفاع بين عدد من آباء الأسرى من كبار السن ويتناول معهم حديث الصباح في حوار فلسطيني أصيل يعبر عن عمق العلاقة والمحبة بين أهالي المعتقلين وأعضاء الجسد الفلسطيني الواحد بالرغم من إنتشار وتعدد السجون الإسرائيلية وكثرة القرارات العنصرية بالعزل والنقل والحرمان من الزيارة والإبعاد والنفي ما يفرق الأسرى عن بعضهم البعض .
يحمل السيد أبو دفاع أبو عاذرة وعاءا كبيرا من القهوة " تيرموس " من البيت إلى أن يصل لمقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر فيتخذ له مكانا ويقوم من بعدها بانتظار الأهالي والمتضامنين ليصب لهم القهوة الساخنة في فناجين " بلاستيك " ويستمر هذا الحال لحين فراغ الصباب من القهوة .
تقدمت نحو الرجل الفاضل وسألته : ألا تشعر بالتعب من حمل التيرموس الكبير في صباح كل إثنين فرد علي : يا أخ نشأت إن التعب يكمن في الإحساس بعدم تحمل البعض الكثير لمسؤولياتهم تجاه الأسرى وأنا أشعر بسعادة غامرة وأنا أصب القهوة لأهالي الأسرى والمتضامنين من أبناء شعبنا الفلسطيني وأشعر بأن فنجان القهوة يوحدنا ويجمعنا ولو للحظات حيث نستعيد الذاكرة نحو الأسرة والعائلة الواحدة التي لن تستطيع خناجر وسكاكين ورصاصات ومدافع وصواريخ وقرارات ومؤبدات وقوانين وسجون وقيود الإحتلال الإسرائيلي أن تفرقها أبدا .
كانت رسالة من أبو دفاع للمسؤولين ولكافة فصائل العمل الوطني والإسلامي والمؤسسات وليست فقط التي تعنى بشؤون الأسرى كما يقال وإنما كافة المؤسسات من الكل الفلسطيني للنهوض بواجباتهم ومسؤولياتهم والمشاركة في الإعتصام الأسبوعي الذي ينظمه أهالي الأسرى والمعتقلين في سجون الإحتلال الإسرائيلي والذين يشكلون مجتمعا فلسطينيا صغيرا في قبضة السجان الإسرائيلي ويواجهون الموت والمرض في ظل التقاعس الدولي والإنساني .
علمت من الرجل الفاضل بأن والد الأسير الفلسطيني دفاع أحمد عواد أبو عاذرة وبلدته الأصلية " بئر السبع " وابنه الأسير دفاع من مواليد 29 أغسطس 1985م وكان قد اعتقل على يد قوات الإحتلال الإسرائيلي في تاريخ 2 أبريل 2008م وحكم عليه بالسجن لمدة 28 عاما " سجن بئر السبع " .
السيد نايف أحمد عواد أبو عاذرة " أبو دفاع " من مواليد 12 أغسطس 1960م ويحمل مؤهلا علميا " دبلوم صناعة - معهد النزهة - عمان " وله 12 ولد وبنت وهو من سكان مدينة بيت حانون في شمال قطاع غزة .
إنها مسافة ليست بالقصيرة أن تمتشق معك ذاك الوعاء الكبير من القهوة في صباح كل إثنين من بيت حانون وصولا لباحة المقر الجديد للجنة الدولية للصليب الأحمر مع الأخذ بعين الإعتبار للمواصلات وخاصة التي يتكلفها والد الأسير إن فاته الباص الذي يقل الأهالي ولكنها من المؤكد مسافة الدم من الوريد والأب والإبن والإبن من الأسرة الواحدة وهي أقرب بكثير من تلك المسافات التي يغرسها الإحتلال في الجسد الفلسطيني ...
إنها مبادرة والد الأسير دفاع أبو عاذرة تستحق الإحترام والتقدير والإكبار والإجلال وشتان بين هذا الفنجان من القهوة الفلسطينية وذاك الفنجان من القهوة المسمومة والذي قدمه الإحتلال الإسرائيلي عبر أحد العملاء للأسير المناضل هيثم عزات عبد الله صالحية في محاولة لإغتيال الأسير بتاريخ 9 يناير 2011م .
صور إنسانية وفلسطينية أصيلة ولا يجب أن نمر عنها مرور الكرام وإنما يجب السعي من أجل توثيقها وتعزيز مفاهيمها لأنها تحمل دلالات كبيرة وتعبر عن عزة وإرادة الشعب الفلسطيني بالحرية والعودة والإستقلال .



