المتحاورون يقررون مصيرهم ومصير المنطقة..
الكاتب: طلال عوكل
خلال افتتاح اعمال اللجان جرت جلسة عامة، تميزت بحضور مصري مكثف، فإلى جانب الأمين العام للجامعة العربية، كان هناك وزير الخارجية احمد أبو الغيط، ورئيس المخابرات عمر سليمان، والهدف واضح، وهو لفت أنظار المشاركين إلى ان مصر تضع ثقلها ودورها وهيبتها وجهدها في الميزان، بما يعني ان على الاطراف الفلسطينية ان تضع ذلك بعين الاعتبار.
الدور المصري في هذه المرة يختلف عنه في المرة السابقة قبل نهاية العام الماضي، فلقد تحمل المصريون آنذاك ما أصابهم جراء فشل الحوار، وكان الوضع العربي على حالة مزرية من الانقسام، الذي يغذي الانقسام الفلسطيني، أما في هذه المرة فالأرجح ان تتجاوز ردود فعل المصريين ما عرفناه سابقاً في حال فشلت جهودهم لإنهاء الانقسام الفلسطيني.
وخلال المرحلة التي سبقت انطلاقة الحوار تحمّل المصريون الكثير من الانتقادات الصريحة والمباشرة، واتهموا مرة بالتخاذل ومرات بالتواطؤ مع الحرب الاسرائيلية أو المشاركة في حصار غزة، وتجرأت بعض الدول العربية الصغيرة، على مصر ودورها وحاولت دول أخرى، النيل من هذا الدور من خلال اشراك آخرين إلى جانب مصر. بعد توقف الحرب، وفي الرابع من شباط الماضي، القى الرئيس مبارك خطاباً صريحاً، وضع خلاله النقاط على الحروف، وحدد مواقف مصر بدون مواربة إزاء مجمل أبعاد وتداعيات الاحداث، والمواقف الأخرى، ازاء الحرب، والمعابر، والانقسام الفلسطيني والمبادرة العربية للسلام، وملف إعادة الإعمار والتهدئة، والموقف من المرجعيات الفلسطينية من بين ما قاله الرئيس مبارك "ان مصر كانت مستهدفة بدورها ومواقفها منذ بداية العدوان على غزة"، وان المتابعة المدققة لتسلسل الأحداث قبل العدوان وخلاله وبعد توقفه تعزز ما ذهب اليه، وان الدعوة لسحب مبادرة السلام العربية ترددت على مدار العام العام الماضي وعادت تتردد بقوة خلال العدوان على غزة، وخلال اجتماع الدوحة والقمة العربية في الكويت، وتساءل مبارك: هل كان هذا هو القصد من تصعيد الوضع في غزة؟
ليس القصد من هذا الترويج للموقف المصري من الاحداث، فثمة من يستطيع ذلك ومكلف ذلك، ولكن القصد هو ان مصر لن تسمح بفشل الحوار ولن تتسامح مع من يتحمل مسؤولية فشله، ولذلك كان هذا الحضور المكثف والمواظب لجلسات الحوار، ولذلك كان الاستعجال المصري لانجاز تشكيل حكومة توافق وطني، اي حكومة بدون مشاركة الفصائل كما ورد في الكلمة الافتتاحية للوزير عمر سليمان.
في الواقع فقد كانت الفترة ما بين جلسة الحوار الشامل في السادس والعشرين من الشهر الماضي، وجلسات حوار اللجان في العاشر من الجاري، فترة عمل ونشاط مكثفة قامت بها السعودية، والجامعة العربية، لمتابعة خط المصالحة العربية التي بدأت بمبادرة من العاهل السعودي في قمة الكويت.
وقد بدا وكأن العرب المختلفين قد بدأوا يدركون مدى خطورة انقساماتهم، وربما أدركوا أيضاً انه لم يعد بامكانهم تبرير هذه الانقسامات، واخفاءها أو التقليل من مخاطرها أمام جماهيرهم.
أمس الاربعاء انعقدت في الرياض وبدعوة من العاهل السعودي قمة عربية مصغرة، حضرها بعض أهم اطراف الخلاف، الرئيس السوري والرئيس المصري وأمير دولة الكويت، وقيل ان رؤساء أو ملوكاً آخرين قد ينضمون اليها في وقت لاحق. من اجتمعوا في الرياض ليسوا بالتأكيد هم كل من يقفون على طرف خلاف، لكنهم بالتأكيد الأطراف الأساسية أو المركزية في الخلافات العربية العربية، وعلى اتفاقهم أو اختلافهم تترتب أمور كثيرة في المنطقة وعلى اتفاقهم أو خلافهم، تتحدد مصائر
ملفات مهمة مثل الملف الفلسطيني والملف اللبناني، وأيضاً ترتسم معالم المرحلة المقبلة. في مؤتمر شرم الشيخ كان ملف إعادة إعمار قطاع غزة، وهو ذريعة انعقاد المؤتمر الدولي، مجرد عنوان ومدخلاً لعنوان أساسي اكبر وهو إعادة ترسيم وترتيب السياسات والأدوار في المنطقة بكليتها، وفي هذا الاطار من غير المتوقع ان تتسامح مصر مع الاحتفاظ بدورها كأكبر دولة عربية، والجار الذي يتأثر سلباً وايجاباً بما يجري على الساحة الفلسطينية وعلى ساحة الصراع.
لذلك قال الرئيس مبارك في خطابه آنف الذكر "لن ننجرف إلى ما يقامر بأرواح ابنائنا الاّ دفاعاً عن أرض مصر وسيادتها ومصالحها العليا"، على ان الأهم من ذلك حين قال "ان الأزمة التي شهدتها المنطقة بسبب الحرب على غزة كشفت عن محاولة لاستغلال العدوان لفرض واقع جديد على الوضع الفلسطيني والعربي الراهن تتغير معادلته ويعاد ترتيب أوراقه لصالح قوى اقليمية معروفة (يقصد ايران) ولخدمة اجندتها ومخططاتها"، وان الهدف كان سحب الشرعية من السلطة الفلسطينية ومنحها للفصائل ولتكريس الانفصال القائم بين الضفة الغربية وغزة.
لو حاولنا ان نمد الخيوط إلى آخرها، فسنلاحظ ان الادارة الأميركية الجديدة، لم تظهر حتى الآن، ما يتوقعه البعض من تغيير في جوهر سياساتها إزاء المنطقة وان ما تغير حتى الآن هو في اطار الوسائل والأساليب.
تلح الادارة الاميركية الجديدة على أولوية الحوار مع الخصوم، بهدف الاستيعاب، وبأنها لن تلجأ بداية الى التصادم والحروب، غير ان ذلك لا يعني بحال انها بصدد تغيير قائمة المصالح والاهداف، وهي لن تتردد في استخدام وسائل الحرب والعنف اذا فشلت سياسة الحوار والاحتواء.
ولكن ما الذي تفعله واشنطن وحلفاؤها؟
من الواضح ان الملف النووي الايراني، ومعالجته يشكل أولوية للإدارة الاميركية، وأولوية متقدمة جداً بالنسبة لاسرائيل، التي يشكل بالنسبة لها خطراً وجودياً، قد لا يجعلها تحتمل الصبر الأميركي والاوروبي.
ولكن لمعالجة هذا الملف المعقد والذي يتشابك مع بقية الملفات المعقدة في المنطقة بما في ذلك مسارات التسوية، تتجه واشنطن لتفكيك هذا التشابك، وحتى تكون معالجة هذا الملف المركزي أسهل مما هو عليه الحال الآن.
الادارة الاميركية بدأت تغير لهجتها وطريقة تعاملها مع موسكو، وهي تحاول بوضوح ان تشتري موقفاً روسياً بوقف دعم ملف ايران النووي مقابل الدرع الصاروخية، وتعزيز علاقات حلف النيتو، وربما قضايا أخرى مثل جورجيا ودول وسط آسيا.
على خط آخر فتحت واشنطن خطاً سياسياً رفيعاً مع دمشق، ويتردد كل الوقت ان الهدف هو عزل سورية عن ايران، والتأثير على الدور السوري في لبنان، ومن الناحية الأخرى يتم فتح ملف التحقيق في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، أي ان واشنطن تلوح بسياسة العصا والجزرة.
وازاء لبنان لا نستطيع ان نتجاهل الموقف البريطاني الذي قد يؤشر إلى موقف أميركي قادم، بالاستعداد لتغيير النظرة لحزب الله، وبالتالي التعامل معه، بهدف دفعه نحو العمل السياسي.
أما في الساحة الفلسطينية، فان ما تقوم به مصر من جهد لانجاح الحوار وانهاء الانقسام فهو أيضاً في أحد أبعاده ينطوي على محاولة لإبعاد حماس وفصائل أخرى عن ايران.
أما ما يكمل هذه الصورة، فيذهب إلى اسرائيل التي قد لا تصبر طويلاً، وقد تحاول مجابهة ما تسميه بامتدادات الخطر الايراني في قطاع غزة ولبنان بوسائل عسكرية، الأمر يتصل في الأساس بمدى تحريك وتغيير المواقف والأوضاع في فلسطين ولبنان، ولذلك فإن ما يجري في القاهرة حاسم إلى حد كبير وعلى نتائجه تترتب معطيات وتداعيات وآفاق مهمة في الاتجاهين السلبي والايجابي.



