انقدوا القدس قبل فوات الأوان ...
الكاتب: د.مازن صافي
راية نيوز: أحاول منذ الأمس أن أكتب مقالا عن القدس .. وراجعت الكثير من المقالات التي تتحدث عن أمجاد المسلمين في القدس والدماء التي ارتوت بها كل مناطق فلسطين .. ونعم من الرائع أن نبحث عن ماضينا وندرسه لأطفالنا وفي المقابل علينا البحث عن الأسباب التي استطاع بها محرري القدس وفلسطين أن يحوزوا على رضا السكان من كافة الديانات آنذاك .. وكيف هزموا إمبراطوريات عظيمة الشأن والسلطان والمنعة العسكرية .. ويبدو أن السؤال الحقيقي هو ( كيف ومن أين نبدأ ) ..
ما دعاني لكتابة المقال هو المقارنة بين موقف الصهاينة من القدس وموقف المسلمين ..
- إسرائيل واصلت حفرياتها في القدس تحديدا مدة 42 عاما دون أن تعثر على أي أثر لليهود في المدينة المقدسة، ومع هذا يدعون أن أحجار القصور البيزنطية التي يزن الواحد منها 450 طناً أنها أحجار للهيكل المزعوم.
- يتبرع العرب والمسلمون للقدس بمبلغ 30 مليون دولار على مدى عشر سنوات في حين ترصد إسرائيل مبلغ 1.5 مليار دولار لتهويدها.
ويبدو أن الخلاص من احتلال القدس ينظر له على أنه واجب على كل مسلم عامة وفرض على الفلسطيني خاصة .. إن فلسطين وليس القدس فقط ملكا لجميع المسلمين في كل الأوقات وليست ملكا لشعب معين في زمن معين .. المسجد الأقصى المبارك في العقيدة الإسلامية هو محور معجزة الإسراء والمعراج التي تعتبر جزءاً من عقيدة كل مسلم ، وهو ثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين الأولى.
ولا يمكن لنا أن ننتصر للقدس بتبنيها في أولويات إعلامنا الحزبي لأغراض انتخابية أو حزبية أو تسول سياسي ومادي .. وفي تاريخنا الإسلامي الدلالات الكثيرة التي تشير الى أن أي مرحلة تمزق إسلامي يعني ضياع المقدسات وعلى رأسها المسجد الأقصى ... فلقد بقيت فلسطين تحت السيادة الإسلامية ترفرف عليها راية الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين مرورا بالدولة الأموية ثم العباسية التي شهدت بعد مقتل الخليفة المتوكل انقسامات كثيرة قادها الولاة الذين شكلوا لأنفسهم سلطات محلية وراثية كما حدث مع العائلة الطولونية والفاطمية والسلاجقة والقرامطة وغيرهم ..
وفي ظل الانقسام الفلسطيني الفلسطيني لا يمكن لنا أن نصدق أن هناك أولويات تجاه القدس .. فالقدس يبدأ الزحف لها بزحف القلوب نحو المحبة والمودة والاتفاق نحو القضايا المشتركة .. فكل الصراعات التي تدور في الدويلات الإسلامية تؤدي إلى إغراء الغرب بالتفكير جديا بأنه لا يمكن للمتنافرين أن يتفقوا على قضية واحدة ... فكيف والقدس الكل ينادي أنها قضيته المركزية ...
علينا أن ننقذ القدس وسكان القدس من الظلم الواقع عليهم .. بل علينا أن نحمي القدس من كل أعمال التهويد وطرد السكان وتفريغ مناطق وضواحي القدس من سكانها الفلسطينيين .. ولربما يتساءل القارئ الكريم .. هل سيتم ممارسة ' الترانسفير ' عليهم ...؟! سؤال يمكنني الإجابة عليه بان الترانسفير الذي يمارس عليهم هو المعاناة التي يعانونها .. فهم وبواقع الاحتلال الإسرائيلي للقدس لا يُعتبرون مواطنين حسب القانون الإسرائيلي ' المرفوض أصلا ' .. ولكي يندمج المقدسي في حياته ويعيش كباقي البشر عليه أن يختار بين إحدى الجنسيتين الإسرائيلية أو الأجنبية .. بمعنى أن يصبح تعداد مواطني القدس خاليا من المجموع العربي .. فالعربي الذي يحصل على الجنسية الإسرائيلية يصبح ' في الأوراق الرسمية ' مواطن إسرائيلي وليس عربي .. أو أن يتحول إلى مواطن أجنبي أو من رعايا دول ما .. وفي الحالة الثانية وبعد حصول المقدسي على الجنسية الأجنبية يتم ترحيله من منطقة سكناه بالقدس بعد ثلاثة أشهر ... ؟؟!!
إن المأساة تبرز ان علمنا أنه قد حصلت 9 آلاف عائلة مقدسية على الجنسية الإسرائيلية تضم نحو 36 ألف شخص.
وهذا بخلاف كل الإجراءات التعسفية التي يتخذها العدو الصهيوني وسلطاته الاحتلالية ضد مدينة القدس الشريف حيث
- إحاطتها بجدار الفصل العنصري (هذا الجدار 25 ألفاً من المقدسيين إلى خارج الحدود )
- محاولة تفريغها من أهلها بهدم بيوتهم ومصادرة أراضيهم لإقامة البؤر الاستيطانية فيها (قانون بناء المستعمرات في الكيان الصهيوني قضم إلى الآن 52% من مساحة القدس الشريفة )
- سحب هوياتهم
- فرض الضرائب الباهظة عليهم.
ان الصراع في القدس صراع ديمغرافي وديني وعقائدي .. علينا أن ننتبه إلى كل مصطلح هنا وتحديده زمانيا ومكانيا ..
لقد سررت جدا بدعوة قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي رئيس الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات سماحة الشيخ تيسير التميمي، كل مسلم ومسيحي إلى التبرع بدولار وقفاً للقدس ومقدساتها، ولدعم صمود أهلها بواسطة وكالة بيت مال القدس الشريف المنبثقة عن لجنة القدس.
ولقد طالعتنا الأخبار أن الحاجة ام شحدة البالغة من العمر 70 عاما وهي من سكان مدينة رهط في النقب تقدمت ب 23 قطعة ذهب عثماني (تحويشة العمر - على حد تعبيرها) دعما لبناء مسجد الرضوان ثاني مسجد يقام في ايطاليا. وكانت المسنة تقدمت بهذا العطاء اول أمس الجمعة للشيخ حسين ابو هاني مدير مكتب لجنة الإغاثة الانسانيه للعون في النقب والذي بدوره قام بتسليمه للشيخ عماد يونس احد القائمين على حملة جمع التبرعات لاعمار مسجد الرضوان في ايطاليا.ويذكر ان المسنة ام شحده إحدى النساء المداومات على شد الرحال بشكل دائم الى المسجد الأقصى المبارك.
بهذه الآلية وبهذه النفس الكريمة والسخاء الإسلامي العظيم يمكننا أن ندعم القدس وسكان القدس ونرحم الشباب من ويلات المجهول وغرق البعض في إدمان المخدرات والضياع والتفكك الاجتماعي .. وكذلك إقامة كل مظاهر الحياة في القدس من مستشفيات ونوادي ومدارس ودور للثقافة وكذلك علينا أن نقوم في عالمنا العربي والإسلامي بإظهار أهمية القدس وحتمية خلاصها من الاحتلال الصهيوني ونصرة أهلها .. ويجب ألا يكون هذا من خلال مهرجانات إعلامية أو في مناسبات متفرقة .. بل برنامجا يوميا في كل المدارس والجامعات وحتى رياض الأطفال .. وكذلك علينا بالتبرع للأقصى لإنقاذه قبل فوات الأوان .. علينا أن نعلم أن إسرائيل تخطط أن يصبح عدد العرب في القدس خلال العشر أعوام القادمة 12% فقط من مجموع السكان هناك .. وحينها وللأسف سنتساءل عن ماذا سنفاوض وعن من ندافع وكيف نقول أن القدس فيها أغلبية عربية ..؟؟!!



