المقدسيون أمانةٌ في أعناقِ الأمةِ
الكاتب: عزيز العصا
هذا هو الوقود العقائدي الذي يغذي صراعاً اشتعل بين طرفين غير متكافئين في القدرات والإمكانيات؛ فنحن من جانبنا نقاتل بسلاح الإرادة فقط، وهم يمتلكون الأرض ومن عليها وما فوقها وما تحتها.. صراعٌ اشتعلت نيرانه وامتد لهيبها، منذ أكثر من قرنٍ من الزمن، ليلتهم عشرات الآلاف من شهدائنا الذين قضوا على أسوار القدس دفاعاً عن عروبتها (إسلاميتها ومسيحيتها)، والأسرى الذي يربضون خلف القضبان بأحكام جائرة تنازلوا عن حريتهم ثمناً لإقامة الدولة وعاصمتها القدس.
هذا هو الإطار العام للصراع، الذي سيبقى كذلك إلى أن يندحر أحد طرفيه أمام الآخر. أما تفاصيله على أرض القدس ففيها ما يُثلج الصدر في أيام القيظ الحارة، وفيها ما "يغم البال" ويجعل المرء يعيد حساباته مرات ومرات.
أما ما يُثلج الصدر، ويعيد للمرء الثقة بالمستقبل، فهو أن في القدس فتية آمنوا بحقهم في العيش على أرض القدس وأنهم يلتفون حولها كالسوار حول المعصم.. وفي القدس عجائز أقسموا على أن ممتلكاتهم هي أمانة للأجيال القادمة وليست إرث من الآباء يمكنهم التصرف به في مواجهة التجويع المفروض عليهم ولن يسلموا المفتاح إلا للأبناء والأحفاد.. وفي القدس أمهات حملن أمانة تربية أبنائهن على التمسك بقدسهم مهما اشتد الكرب ومهما غلت التضحيات.. وفي القدس أطفال تقرأ في عيونهم كل معاني الكبرياء والتحدي التي ستقودهم إلى الإبقاء على قدسهم عربية إسلامية ولن تكون غير ذلك.. وكل هؤلاء وأولئك يجمعون على تمسكهم بالمكان مهما اشتدت ظلمته ومهما كان إيلام الجيران..
وأما ما "يغم البال" فهو أن القدس لم ترقَ، حتى اللحظة، في ممارسة قادة الأمة وأغنيائها وأثريائها إلى مستوى أنها العاصمة الروحية للأمة، ولا إلى مستوى المفهوم العقائدي المذكور أعلاه.. كما أن في القدس طابوراً خامساً من الانتهازيين والمنتفعين-النفعيين والمحبَطين-المحبِطين الذين لا بد من لجمهم وتخليص مجتمعنا المقدسي من شرورهم وآفاتهم..
لكي نزيل عوامل الإحباط من النفوس.. ولكي ننظر إلى النصف المملوء من كأس القدس فقد استثمرنا أنا وصديقي جمال طلب العملة/ الباحث الفلسطيني المعروف المتابع لجميع شجون القدس وشئونها، الجمعة الأولى من رمضان العام 1432ه وفق 5/8/2011م بالالتقاء بصديقنا ناصر التوتنجي، وهو واحد من أبناء القدس القابضين على جمرها كمدينة لأهلها الشرعيين وأطلعنا، ، على واقع ما كنا نعرفه لولا أن رأيناه بأم أعيننا.. وفي هذا الواقع صور مشرقة لا بد من التوقف عندها بالتحليل واستخلاص العبر من أجل قدسٍ أفضل لشعبٍ أعزل، وأهم تلك المشاهد:
أولاً: من العصر المملوكي إلى القرن الحادي والعشرين: فقد رأينا بأعيننا وتلمسنا بأيدينا كيف يعمل أحد المقدسيين، بلا كللٍ أو مللٍ، لتحويل بناءٍ ملاصق للأقصى مملوكي الأصل والتصميم والحجارة من مكان رطبٍ آسنٍ تنطلق منه روائح العفن المتراكم منذ مئات السنين إلى متحف يتحدث عن القدس وأهلها وتاريخها عبر العصور.. ولهذا المقدسي هموم وقضايا خاصة تتعلق بجيرانه اللدودين ممن يسعون ليل نهار إلى تهويد تفاصيل القدس كافة، كما تتعلق بعدم وضوح الدور المطلوب منه مقابل الجمعيات والمؤسسات ذات الصلة.
وفي محاولة منا لمقاسمته همومه خاطبنا مدير عام اتحاد الجمعيات الخيرية السيد يوسف قري ليأخذ هذا الاتحاد المقدسي دوره في تسهيل هذه المهمة الوطنية الرائدة، فوعد السيد قري بأن يمسك بيد هذا المقدسي نحو تحقيق أهدافه الوطنية الكامنة وراء عملية الترميم هذه. كما أننا ندعو أصحاب العلاقة والاهتمام من مؤسسات فلسطينية وعربية وإسلامية معنية بأن يبقى
التاريخ ناصعاً، دون تزويرٍ أو عبث في حقيقته، أن تمد يد العون والمساعدة للحفاظ على هذا التراث الإنساني وعدم السماح لأن تتكمن منه العصرنة وتخفي ملامحه، وأن يبقى للتاريخ رونقه وبهاؤه.
ثانياً: صراع ما تحت الأرض وما فوقها: لا شك أن مصطلح "صراع" لا ينطبق على حال أهل القدس في مواجهة عملية التهويد المدعومة بالمال والرجال والقوة، وذلك لأن للمعادلة طرفين غير متكافئين في الإمكانات والقدرات.. فقد تعرفنا في طريقنا إلى الشاب المقدسي الثلاثيني "جمعة محمد عسيلي" الذي أدخَلَنا إلى بيته الذي يؤوي سبعة أفراد (الزوج والزوجة وخمسة أطفال)، وكانت الصاعقة الحقيقية عندما اكتشفنا أن هذه الأسرة تنام وتقوم وتقعد وتأكل وتشرب وتتعلم وتستقبل الضيوف وتقوم بما يقوم به أي أسرة فلسطينية في مساحة لا تتعدى الـ (12) متراً مربعاً، زد على ذلك فقدان رب هذه الأسرة لمصدر رزقه، والمطالبات المالية من قبل حكومة الاحتلال تحت عنوان ضريبة الأملاك (الأرنونة) التي يتجاوز معدلها الشهري الـ (50) دولاراً، وحرمانها من فناءٍ يلعب فيه الأطفال أو مساحة يتحركون فيها للتحرر من الملل الذي يصيبهم وهم يسترقون السمع لخطابات الأمة من السياسيين الذين يهددون المُهَوِّدين بأن يشكونهم إلى الأمم المتحدة، والقادة العسكريين الذين حملوا النياشين المختلفة وهم يتوعدون بالانقضاض على شعوبهم المطالِبة بالحرية.
وهنا ندعو الخيرين من أبناء الأمة إلى تمويل الأفكار القائمة على ترميم المباني المغلقة في محيط البلدة القديمة بالقدس لكي تقطنها مثل هذه الأسر التي يرفض أهلها مغادرة المكان مهما اضيق ومهما اشتدت الأزمة.
ثالثاً: الترميمات: فرحةٌ منقوصةٌ: فقد أطلعنا مباشرة على مأوى يشغله عجوزين هرمين هما: السيد محمود عسيلي وزوجته، تم ترميمه سابقاً ولم يلتزم المهندس المسؤول بالمتابعة لمعالجة المياه المتسربة إلى سقفه فخلفت فيه رطوبة تنبعث رائحتها "النتنة" من المكان الذي فقد أهليته لإيواء بني البشر، فأصيب قاطنوه بأمراض جعلتهم في انتظار المصير المحتوم ولا حول لهم ولا قوة.. وسنبقي هذه الصورة بلا تعليق، بل نبقي التعليق لأحبتنا المهندسين المشرفين على ترميم بيوت البلدة القديمة من القدس.
رابعاً: سكن رغم أنف الاحتلال: ولأننا لم نزل في محيط عائلة العسيلي، فقد شاهدنا آثار الصراع؛ الهدم المتكرر من قبل الاحتلال والإعمار من قبل عبد الرزاق حسين العسيلي.. فقد أثارنا في هذا المقدسي السر في محافظته على ابتسامة عريضة تعلو وجهه رغم ألم الموقف، فكان جوابه: أنا أقطن في بيت شبه خربٍ الآن، وأنتظر مباغتتي من قبل الاحتلال لهدمه، وأعدكم وأعد قادة العرب والمسلمين بأنني سأستمر بالإعمار وإعادة الإعمار مهما اشتد الخطب، ومهما تكرر الهدم.
وفي هذه الحالة نتساءل: أين دور منظمات حقوق الإنسان في السكن والعيش الكريم؟ أليس واجبٌ علينا أن نطالبها بأن تأخذ دورها في تخليص المقدسيين وحمايتهم من شرور الهدم والهادمين؟
رابعاً: موائد الرحمن: ما لها وما عليها: لا شك في أن ممولي موائد الرحمن يقصدون الخير كل الخير، وأنهم قدموا نقودهم عن طيب خاطرٍ كصدقات توضع في مكانها الصحيح.. ولكن تبدو، حتى اللحظة، أن فيها خروجًا عن النص لأنها تكاد أن تأخذ مظهر الإعلام والترويج، وأن هناك فقراء يستحقونها ولا تصلهم، وهناك مرضى لا يستطيعون الوصول إليها، وإذا وصلوها فإنهم قد يتأذون من تناولها كمرضى السكري والضغط وغيرهما.
ولضمان وصول تلك الصدقات إلى مستحقيها فإنه لا بد من وجود صيغ خيرية أخرى، مثل: المساعدات المالية والطرود الغذائية التي يتم تحري الدقة في إيصالها إلى المستهدفين، بما يحفظ كرامتهم في عدم التزاحم من أجل الحصول على وجبة تطفئ نيران جوعهم وتحفظ لهم خصوصياتهم في تناول الوجبة بما لا يؤذي المرضى وكبار السن منهم.
وهناك من المؤسسات الفلسطينية المقدسية التي نفخر بأدائها وأعمالها الخيرية الجليلة وعلى رأسهم إتحاد الجمعيات الخيرية/القدس، الذي يعتبر أول وأكبر إتحاد وطني للجمعيات الخيرية، حيث تأسس في العام 1958 ومازال عطاؤه متواصل وبمصادقية عالية تجعل المتبرعين مطمأنين على ما ستصرف أموالهم عليه من أعمال خيرية للفقراء.
وفي حديثنا مع السيد يوسف قري/ مدير اتحاد الجمعيات الخيرية للوقوف عن كثب على أعمالهم الخيرية لهذا العام، أفاد بأن الاتحاد أطلق هذا العام "حملة سنابل الخير الرمضانية" التي تقوم على تقديم معونات عينية ونقدية لمستحقيها من الأسر الفقيرة والأيتام والأرامل والمسنين والعجزة، حيث تصل المساعدات إليهم بعد دراسة مستفيضة لوضعم المعيشي.
ولم يخفِ السيد قري انزعاجه الشديد من شح المساعدات لهذا العام التي تستهدف فقراء مدينة القدس بعيداً عن البهرجات الإعلامية. ويبدو الأمر وكأن القدس أصبحت مشطوبة من قاموس العرب والمسلمين، لذلك ترتكز حملة سنابل الخير في غالبيتها على موارد ميسوري الحال من أهل المدينة الذين حباهم الله، جل شأنه، من نعمائه وهم يجودون بنفس طيبة.
أخيراً، وللاعتبارات العقائدية المذكورة في مقدمة المقال.. وبعد هذا الوصف للطبيعة المعقدة لحياة المقدسيين الذين يكابدون في الحفاظ على عروبة مدينتهم وإسلاميتها رغم الحفريات التي تستهدف أسرّة نوم أطفالهم، ورغم الازدحام الشديد في السكن الضيق وغير الصحي، كما يكابدون المشقة في تربية أبنائهم على قيم الإسلام والعروبة وسط بحرٍ هائجٍ مائجٍ من الفساد والإفساد المنتشر في كل مكانٍ من أرجاء القدس.. بعد هذا كله هل يبقى للخيرين من أبناء الأمة، وفي مقدمتهم الميسورين في القدس نفسها، من عذرٍ في التنصل من مسؤولياتهم نحو القدس وأهلها كأمانة في أعناقهم إلى يقضي الله أمراً كان مفعولا؟



