إسرائيل المأزومة، والمخاطر المحتملة..
الكاتب: بقلم: طلال عوكل عن جريدة الأيام
فوق أزماتها الوجودية والأمنية والتاريخية تعيش إسرائيل هذه الأيام أزمة بنيوية تتصل بكونها امتدادا للنظام الرأسمالي الذي يواجه منذ سنوات ولا يزال أزمة بنيوية تتصل بعجز آليات السوق والسياسات العامة عن تأمين الاستقرار لعملية الإنتاج والتسويق، وما يتبع ذلك من اختلالات في السياسات المالية.
ما تمر به الرأسماليات العالمية، هو جزء من طبيعتها، فلقد مرت في أزمات سابقة، كان أبزرها أزمة العام 1929، والتي شكلت المقدمة الأساسية لاندلاع الحرب العالمية الثانية، التي أعادت توزيع القوى، ومنحت النظم الرأسمالية فرصة لإعادة التكيف والتوازن لاقتصادياتها.
من المرجح أن تتمكن الأنظمة الرأسمالية من تجاوز هذه الأزمة العميقة ولكنها تحتاج إلى سنوات، بالإضافة إلى ما ستتركه هذه الأزمة من تداعيات وما تتطلبه عملية معالجتها من أثمان، وما تنطوي عليه من تغيرات كبرى في تراتبية الدول من حيث حجم الإنتاج العالمي والتي تتجه نحو منح الصين الأولوية.
إذاً الأزمة التي تواجهها إسرائيل كانت ستقع بوجود نتنياهو أو بوجود غيره، وسواء كان التحالف الحاكم يمينياً أم "يسارياً" فالفارق فقط يكون نسبياً.
لهذا من الخطأ مقارنة ما تواجهه إسرائيل من أزمة تستفز المزيد من آلاف المحتجين وتربك سوق العقارات، والأسواق المالية، مع ما يواجهه النظام الرسمي العربي.
لقد فشلت إسرائيل في أن تتماهى مع الوضع العربي أو الاندماج فيه، ولذلك لا يصح القول إن رياح ربيع الثورات العربية قد انتقلت لإسرائيل.
الاحتجاجات التي تشهدها العواصم العربية، تنشد التغيير الجذري بصرف النظر عن موانئ رسو عمليات التغيير، وهي تنشد الحرية والكرامة، وهذه لها أبعاد شاملة لحياة المواطن والمجتمع، أما بالنسبة لإسرائيل فالأمر يتصل بأزمة قابلة للتجاوز والحل في اطار النظام السياسي القائم.
غير أنه من الخطأ، أيضاً، مقارنة الأزمة في إسرائيل بما تمر به الأنظمة الرأسمالية، فأزمة إسرائيل أكثر شمولية وعمقاً، إذ يواجه النظام السياسي الإسرائيلي حالة من التدهور نحو العنصرية والأبارتهايد فضلاً عن جملة التحديات السياسية والأمنية التي تواجهها إسرائيل في اطار صراعها مع الفلسطينيين والعرب.
إسرائيل تعيش فوق أزمتها الداخلية أزمة خارجية، حيث تلاقي سياساتها المزيد من الانتقادات والإدانات والاحتجاجات الدولية على خلفية، موقفها وسياستها إزاء عملية السلام التي يرغب المجتمع الدولي في تحقيقها، وهي المتهمة بإفشالها.
تواجه إسرائيل إذاً أزمة مزدوجة، خارجية تتصل بعزلتها على الصعيد الدولي، وبما يمكن أن يترتب عليه الوضع في حال واصل الفلسطينيون سعيهم نحو الأمم المتحدة.
وفي الإطار الخارجي، أيضاً، تواجه إسرائيل حقيقة عجز الولايات المتحدة، عن حمايتها، فحركة التضامن الدولية في الدول الرأسمالية تتسع يوماً بعد الآخر، وقد أخذ دورها السياسي يتزايد لصالح القضية الفلسطينية.
أما ربيع الثورات العربية، فقد ترك لدى النخب السياسية والثقافية والاجتماعية في إسرائيل قلقاً عميقاً ومتزايداً، وهو أي الربيع العربي يبشر بتبدل البيئة نحو أن تصبح أكثر عدائية لإسرائيل وسياستها ومن يواليها، ونحو الاقتراب من ميادين النضال إلى جانب الفلسطينيين.
وكما لم تنجح النظم الرأسمالية في تجاوز أزماتها الاقتصادية والمالية حتى الآن، فإن من غير المتوقع أن تنجح حكومة نتنياهو في تجاوز هذه الأزمات، ولذلك فإن الاحتمال الوارد هو في أن تستمر وتتصاعد الاحتجاجات حتى سقوط الائتلاف الحاكم.
يلاحظ أن العرب لم ينخرطوا حتى الآن في الاحتجاجات الإسرائيلية وهو سلوك ذكي وحكيم من شأنه أن يفقد نتنياهو ذريعة الفزاعة القومية والدينية، فمن يحتج هم اليهود الذين تفوق مستويات دخلهم ومعيشتهم نظراءهم من العرب في إسرائيل.إن الأزمة مرشحة للتفاقم، ونحو تقارب أيام الاحتجاجات وتزايد الملتحقين بها، ما يجعل كل إجراءات الحكومة متخلفة عن ملاحقة تطورات الأزمة، وما ينجم عن ذلك من مطالبات شعبية متزايدة.
في إسرائيل هناك مجتمعات غير متماثلة وليس هناك مجتمع واحد، فبالإضافة إلى الفوارق بين اليهود من سكان فلسطين المحتلة العام 1948، والفلسطينيين العرب على الرقعة الجغرافية نفسها، هناك فارق بين هؤلاء ومجتمع المستوطنين الذي يناهز النصف مليون مستوطن وينعمون بامتيازات لا يحصل عليها اليهود في إسرائيل.
والمشهد ينطوي، أيضاً، على عمليات تمييز أكثر تفصيلا بين يهود غربيين ويهود شرقيين، وبين علمانيين ومتدينين، وحتى بين يهود شرقيين، وآخرين شرقيين.
اللوحة إذاً معقدة، والأزمة بنيوية معقدة من طبيعة تاريخية وسيكون على ائتلاف نتنياهو إما أن يتخلى عن السلطة وما يتبع ذلك من اضطرابات سياسية وعدم استقرار، وإما أن يحذو نتنياهو حذو زعماء سابقين، بادروا إلى شن حروب إقليمية هرباً من أزمات داخلية ولتجاوزها.
هذا الوضع يلقي على الفلسطينيين أعباء، تتطلب أن يتحضروا للتعامل مع كل التطورات المحتملة، والأهم وأولاً إنجاز المصالحة والوحدة.



