ليتنا قادرون على الزلزلة!
الكاتب: طلال عوكل
أن تُلح «حماس» في طلب التهدئة، وأن تقف حائرة بين قناعتين، أولاهما أن المقاومة حق مشروع لشعبنا من حيث المبدأ، وثانيتهما أن المعركة مع المحتلين بالنيران، ستكون مفتوحة على كوارث بلا سقوف؛ فإن ذلك هو بالضبط، ما مرّ في تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية وسلطتها، وهو ذاته الذي تحملتا بسببه، كل ما قيل فيهما وعنهما من هجاء وظنون، بل من تخوين وتكفير.
اليوم، نحن نؤيد «حماس» إن استوعبت التجارب الماضية وتصرفت بمسؤولية. فليس من اللياقة ولا من المنطق، تعييرها حين تأخذ بمواقفنا قبل عشر سنين، حتى وإن كان عدم أخذها بها في السابق، قد كلفنا الكثير من المهج والمقدرات والعذابات. فأن تنضج هذه الحركة متأخراً خيرٌ من ألا تنضج أبداً!
ربما يخال السطحيون، أننا نكره المقاومة والصواريخ. ففي الحقيقة، إننا نحبها ونؤمن بحقنا في ممارستها، مثلما نؤمن بضرورة إطلاقها، لو أنها كانت موصولة بهوامش للحركة، أقيمت فيها بُنية عسكرية مكتملة، بحيث يكون الإطلاق مسنوداً بتغطية وخطوط تذخير، وبمقومات ردع الهجمات المضادة، أو على الأقل وسائل تقليل خسائرنا منها.
قبل أن نكتوي جميعاً بتجربة الحرب الإجرامية التي شنها المحتلون على غزة وقبلها على الضفة في نطاق الهجوم على كل الوطن؛ ركبت «حماس» رأسها. وعشية بدء الحرب على غزة؛ قلنا لها لا تجددي الهدنة مجاناً، وسيكون الموقف وطنياً وسليماً، ولكن لا تطلقوا النار لأن هذا هو ما يريده المحتلون. قلنا إن الطرف القوي هو الذي يتحكم في عواطفه ويتخذ القرار بمسؤولية. لكن الحمساويين، ظنوا أن الكلام والتعليلات والتوصيفات الفرقانية للوقائع، ستغطي على الكارثة عندما تحل بنا، وسيساعد على التضليل مستريحون من بعيد، يؤكدون أن المقاومة انتصرت، كالزعاترة والتميمي والجعجعوني وغيرهم. فما زلنا نعاني من الآثار المأساوية للحرب على غزة، ولم يُفتح حتى الآن معبر ولا طريق مغلق، ولم تبدأ العملية التي سموها إعادة الاعمار. لقد ذهب النزق وتحسس المصيبة بالحاكمين في غزة، الى مدى أبعد في الاستبداد وفي المكوس وفي اعتصار المجتمع، قبل أن يستدرك هؤلاء متأثرين بمجريات الأمور في الشوارع العربية. فبدل أن تأخذ «حماس» بيد الناس الى «التغيير والإصلاح» على ما «خرّبه» السابقون؛ أدركت أن مهمتها الحقيقية باتت تنحصر في تغيير وإصلاح الآثار التي ترتبت على الخراب الذي أوقعه حكمها في البلد وفي المجتمع!
* * *
الآن تتعرض غزة للقصف، ويُخشى أن تكون هناك نية لدى المحتلين لتوسع الحرب لتشمل العدوان من البر. فالأمور حتى اللحظة، مفتوحة على كل الاحتمالات. تُحسن «حماس» صنعاً إن هي تصرفت بمسؤولية، وإن دعت فصائل الإطلاق الصاروخي الى حوار سريع يدخل فوراً في المفيد، ويقوم على حسبة بسيطة: ما الذي يُستفاد من إطلاق صواريخ، إن نجحت حتى في قتل مئة إسرائيلي، فإن آلة الحرب المعادية، لن تتوق عن صب النيران حتى تصنع لنا كارثة أخرى، في الأرواح وفي المنازل والمقدرات وفي البنية التحتية؟! إن من لا يتوقع ذلك، يكون أحسن الظن بالمحتلين، ورآهم يتورعون عن اقتراف الجرائم، ويكون تفاءل كثيراً بما يسمونها «الأسرة الدولية» وبأوضاع العالم العربي!
إننا أمام عدو لا يجد من يردعه. فلم يتوافر لنا، حتى الآن، على مستوى الأمة والوطن العربي، من يعملون على كبح جماح وعربدة إسرائيل. لذا فإن الصواريخ العاجلة، هي مطلب العواطف الجياشة. إنها ليست واردة لدى الطامحين الى وضعية عربية وإسلامية، يغيب فيها النواطير والمتواطئون، وتسترد بها الشعوب إراداتها، وتكون الضمائر والمدركات التاريخية والقيم العامة للأمة، هي بوصلة التوجهات العربية والإسلامية على كل صعيد!
منذ أن أعلن عن عملية النقب، اشتعل التميميون والزعتريون ومن شاكلهم فرحاً. إننا على ثقة، بأنهم لم يشعروا بالتحسب ولا بالقلق على غزة، ولم يحزنوا على حبيبنا الشهيد أبو عوض النيرب عندما سقط قُبيل أن يتناول إفطار الصائم. بالطبع هم يرون من بعيد، في كل ملتح «جهادي» مشروع استشهاد وعنفوان، يغذي لغتهم ولا نريد أن تقول أكثر!
ما ينبغي أن تفهمه «حماس» أن الحث على التهدئة لا يعيبها، وأن وقف النار من الجانب الفلسطيني لا نؤاخذ عليه. فطالما أننا متمسكون بأهداف شعبنا وبثوابت القضية، وماكثون على أرضنا، فإننا على أعتاب النصر التاريخي الحقيقي. وطالما أن قدراتنا على إطلاق النيران معطلة أو محبطة بسبب نيران إغراقية مضادة، لا عيب ولا هزيمة في الكف عن الإطلاق. نحن مسؤولون عن حياة وأوقات شعب ينحشر في شريط ساحلي ضيق؛ وليس من الذميمة ولا النقيصة ولا الدنيّة، أن نأخذ بحسابات الميدان. الدنيّة والهزيمة، تقعان حينما نكابر ونكذب. ليتنا قادرون على الزلزلة. وباعتبارنا غير قادرين، فلا مناص من التهدئة!



