الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:38 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:22 PM
المغرب 7:26 PM
العشاء 8:48 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

قانون جرشام وحماية المستهلك الفلسطيني

الكاتب: بقلم: د. سام عبد القادر الفقهاء

تتعدى حركة حماية المستهلك البناءات المؤسسية والنصوص القانونية إلى المتابعة الحثيثة لكل ما يتصل بصحة وسلامة المستهلك. تحتاج قضايا المستهلك اليوم إلى النظر إليها ضمن ذلك النسيج المعقد في الواقع، فالمستهلك هو إنسان يمثل محور التقاء كافة القوى البيئية الرئيسة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية والتكنولوجية، وهذا يعني بالضرورة اعتبار الخصوصية البيئية للمستهلك، فالمستهلك الفلسطيني عانى ولا زال يعاني من الاحتلال وتبعاته، مع ما يصاحب ذلك من حالة الفوضى التاريخية التي عاشها على مستوى القوانين والمنتجات، والأسعار وشح مصادر المعلومات وضعف مصداقيتها. ولا يمكن هنا إنكار الخطوات الكبيرة والايجابية التي قامت بها السلطة الوطنية على هذا الصعيد إلا أن المشوار لا يزال طويل على صعيد الارتقاء بالمستهلك الفلسطيني.

إن حركة حماية المستهلك هي حركة اجتماعية أساسا تهدف إلى حماية حقوق المستهلك وزيادة قوته، وقد تبلورت في جزء كبير منها بإعلان الرئيس الأمريكي كيندي بالقائمة الخاصة بحقوق المستهلك في سلع آمنة، وحقه في الحصول على المعلومات، والاختيار وأن يقول ويتم السماع لشكواه. وفي فلسطين هناك العديد من الجمعيات الخاصة بحماية المستهلك والتي تعمل جنبا إلى جنب مع قسم حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني مع التأكيد على الاستقلال الإداري والمالي بين المؤسستين.

إن وجود المنافسة لا يعني أن المستهلك قد فقد الحاجة إلى الحماية، فربما هو أحوج ما يكون للحماية في ظل المنافسة وانفتاح السوق، فقد ثبت أن المنافسة وحدها غير قادرة على تنظيم هذا الجانب من السوق، لأن التاجر يسعى لتعظيم أرباحه والمستهلك يحاول تعظيم منافعه حتى ولو من ناحية ظاهرية. ومن بين الأبعاد الواجبة الحماية، التمييز السعري أو الاتفاق عل تثبيت الأسعار والاحتكار، والتآمر للسيطرة على السوق، وربط عملية بيع السلعة بسلع أخرى، والتضليل في تغليف السلع أو العلامات التجارية والسلع المقلدة أو المزورة، وعدم الالتزام بضمانات السلعة التي يقدمها التاجر عند عملية البيع، وحملات الترويج المفتعلة، والخداع في الإعلانات، وعدم الالتزام بالمصداقية الخاصة بالأدوية ولعب الأطفال والسلع الغذائية والسلع الخطرة على المستهلك والبيئة. وهناك الكثير من الجوانب المادية الملموسة التي تشكل في مجملها أبعاد أو جوانب يحتاج المستهلك إلى الحماية فيها.
وحقيقة الأمر أن تلك الجوانب تحتاج لعلاجها إلى مراجعة القوانين والأنظمة السائدة وتحسين في طرق الرقابة الميدانية وبشكل مستمر.

إن مجال الحديث عن جوانب أو أبعاد حماية المستهلك لا تنتهي ولا يمكن إجمالها لأن كل جوانب الحياة البشرية تشتمل على عناصر الاستهلاك والتي هي بحاجة للحماية، والحماية هنا تتجاوز -نسبيا- المعنى المادي لها، فالحماية تعني السعي المتواصل إلى زيادة وعي المستهلك والعمل على تحقيق رفاهيته وهذا لا يعني بالضرورة أن هناك جهة أو جهات تحاول القضاء على رفاهيته بشكل مباشر.

ولا يتوقف الأمر على تلك الأبعاد المادية لجوانب حماية أو خداع المستهلك، إنما يتعداها إلى جوانب أخرى أكثر تعقيدا وأقل وضوحاً. يقال، مرة أخرى، إن حماية المستهلك تتطلب بالدرجة الأولى حماية المنافسة على اعتبار أن المنافسة تضمن حماية المستهلك من خلال سعي التجار لتوفير الأفضل للمستهلك من خلال زيادة وعيه بالمنتجات وتوفير بدائل متنوعة له في السوق. والحقيقة إن المستهلك هو أحوج ما يكون إلى الحماية في ظل المنافسة، لأن المنافسة تجبر التجار على التفكير بشتى الطرق لحماية وضعهم التنافسي وتضعهم أمام طرفي معادلة الجودة والسعر ومن هنا تنشأ الإشكالية بالنسبة لهذين البعدين، وتتعدى مسألة انفلات المنافسة وما يصاحبها من هدر لحقوق المستهلك إلى جوانب خطرة لعل أهمها هو التركيز على الجانب العاطفي والنفسي للمستهلك، وربما تصبح قدرة القوانين محدودة في مواجهة هذه الاستراتيجيات، وهنا ينتقل التعويل على الأداء الأخلاقي للتجار وهو موضوع يحظى باهتمام متزايد هذه الأيام، ومن تلك الممارسات التركيز في العروض التسويقية على الألوان والإيحاءات الرمزية المتعددة فهي محاولات للتأثير عاطفياً على المستهلك بشراء قدر كبير يفوق حاجته من المنتج، وجعله مهتم بشكل المنتج وليس مضمونه، وهذا له مضامين عميقة، فالتاجر أو المسوق هنا يحاول أن يشبع شعور المستهلك وليس معدته والحقيقة أن الشعور لا يمكن إشباعه.

وبناء على ما تقدم هناك جملة من المضامين التجارية والتخطيطية لأبعاد وجوانب حماية المستهلك

المضامين التجارية: إن على التجار الأخذ بعين الاعتبار مصلحة المستهلك لأن إشباع حاجاته وبناء صورة ايجابية عن المنتجات في ذهنه هو السبب الأقوى لبقائهم -التجار- في السوق، فعلى كل مؤسسة مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع وهذا لا يعني إنكار حق الربح على التاجر، إنما المقصود هو التأكيد على مسألة تبادل القيمة بين الطرفين، فالاستغلال يحدث عندما يقدم طرف مقابل أقل للطرف الثاني وهذا شيء يتوقف على الالتزام الأخلاقي.

المضامين التخطيطية: هناك حاجة قوية لحماية المنافسة على اعتبار أن المنافسة تحمي المستهلك، وهذا في ظل الظروف المعيشية الفلسطينية أصبح قولاً تقليدياً، فالوضع الفلسطيني أصبح وكأنه تعدى هذه القضية، لأن المنافسة تعني توفر البدائل وتوسعة دائرة الخيارات السلعية أمام المستهلك وتوعيته ليكون قادراً على الاختيار.

إن محدودية الدخل والتضخم وتراجع القوة الشرائية لدى المستهلك أصبحت تحد من قدرته على الاختيار وقد استجاب التجار لهذا من خلال توفير كم محدود من التشكيلات السلعية. المستهلك أصبح على علم بمحدودية البدائل ورداءة جودتها لأنه لا يملك القدرة على الدفع أساسا، والغريب أن السلع الرديئة أصبحت مرتفعة الثمن تماشيا مع ما يمكن الاستلال عليه من استثناءات قانون الطلب، زيادة الطلب تؤدي إلى ارتفاع سعر السلعة حتى لو كانت رديئة لأن البديل لم يعد متوفر. وهنا أصبح بالإمكان الاستنتاج بانطباق قانون جرشام، "العملة القديمة تطرد العملة الجديدة من التداول في السوق"، وهذه مفارقه عجيبة.

تحتاج أنشطة وأساليب حماية المستهلك لأن تكون ذات بعد مؤسسي وقانوني وقضائي واضح المعالم، فهناك حاجة لإعادة النظر في القوانين الحالية ذات الصلة، وصياغة قوانين جديدة تتصل بالمنافسة والمعلومات والمنتجات وليس المقصود هو التدخل في اقتصاد السوق إنما حماية السوق. ولا يجب إنكار حقيقة أن التجار يواجهون كالمستهلك ارتفاعا متزايدا في التكاليف ولذلك وجب عليهم التفكير بطرق تقليل التكاليف والقيام بأنشطة التسويق الجماعية والعمل بمبدأ وفورات الحجم.

كما أن محدودية الدخل وانعدامه أحيانا، وهو ما تؤيده كافة البيانات الإحصائية وواقع الحال، قد جعل المستهلك يقبل بالخيارات المتاحة المحدودة أمامه، وأن يكون أقل سعياً للحصول على منتجات ذات جودة، وأقل بحثاً عن المعلومات، فما فائدة أن يعرف ولا يستطيع، ولذلك على الحكومة مهام جوهرية تخص الدخل الفردي، والاقتصاد بشكل عام لحماية حياة المجتمع وتحقيق رفاهيته.

أستاذ مساعد في قسم التسويق، كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين.

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...