الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:38 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:22 PM
المغرب 7:25 PM
العشاء 8:46 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

ترانيم الحرب على غزة

الكاتب: احمد اللالا

راية نيوز: استقبل العالم العام الماضي الحرب على غزة كغيرها من الحروب، واستقبله العرب كعادتهم بالشجب والاستنكار، واستقبله الفلسطينيون بالصدمة والدهشة، كان ظرف المكان مدينة غزة وقطاعها وكان ظرف الزمان بعد ستين عاماً من النكبة وبعد ثلاثين عاماً من النكسة، وكان التاريخ أواخر كانون الأول وأوائل كانون الثاني في العام الثامن بعد الألفية الثانية من ميلاد السيد المسيح، في بداية ذلك اليوم حيث أشرقت الأرض بنور ربها، وحان موعد شروق الشمس بالتوقيت المحلي لمدينة غزة وضواحيها، كان يوماً عاديا،ً أطفال المدارس ذاهبون إلى مدارسهم، والموظفون ذاهبون إلى أماكن عملهم، كل شيء يسير على ما يرام، ولكن بعد ساعات قليلة وبالتحديد بعد الضحى وقبل الظهر انقلبت الأمور رأساً على عقب حيث سُمع دوي عدة انفجارات ضخمة لم يسبق لها مثيل هزّت جميع مناطق قطاع غزة بالكامل.

كان الناس مذهولين من هول ما حدث لا أحد يعرف ماذا حدث، هل هي غاراتٌ وهمية؟ أم هي غاراتٌ حقيقة؟ أم هي قنابل فراغية؟، أم هي الحرب؟! نعم إنها الحرب بعينها ولكن لم نفهمها إلا بعد أيام، خرج الناس عفوياً إلى الشوارع كالفراش المبثوث، الشوارع مزدحمة بالمركبات والمواطنين، طلاب المدارس خرجوا من مدارسهم، طلاب الجامعات خرجوا من جامعتهم، الموظفون خرجوا من مراكز عملهم، حتى الحيوانات خرجت من حظائرها.

هبت علينا رياح الموت الموسمية من جميع الجهات، كان الجو صافياً ثم أصبح مائلاً للحرب والسماء ملبدّة بالطائرات، والبحر كثير ارتفاع الزوارق البحرية، والبر كثير أعداد الدبابات الحربية، ظهر القصف في البر والبحر والجو بما اقترفت أيدي 'إسرائيل'، وجاءت سكرة الموت على سكان قطاع غزة، وكانت تتساقط علينا أمطار الشتاء من صواريخ الطائرات وقذائف الزوارق والدبابات، وكنا نشاهد ونسمع أصوات برق ورعد الرصاص ودوّى المدافع، ثم هطل علينا نوعٌ جديد من الأمطار الحارقة، إنه الفسفور الأبيض، ظلّت أمطار الصورايخ تتساقط علينا لمدة شهر إلا أياماً قليلة حيث لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص .

أصبحت غزة مدينة أشباح والحياة فيها شبه متوقفة بل معدومة، المحال التجارية مغلقة، والمدارس مغلقة، والجامعات مغلقة، شوارع غزة بلا مشاة، سوق الخضار بلا آدميين، وسوق اللحمة بلا سكاكين، سوق الذهب بلا ذهب، سوق السيارات بلا محركات، بحر غزة بلا أسماك، وسماء غزة بلا أمطار، الأجهزة الكهربائية بلا كهرباء، أنابيب المياه بلا مياه، خطوط الهاتف لا تهاتف، مستشفى الشفاء بلا أطباء ومرضى بلا دواء وموتى بلا أكفان ومواليد بلا حفاضات.

كانت أهداف الحرب واضحة وجلية للعيان، من سار في شارعه فليس آمناً، ومن لجأ إلى قبوه فليس آمناً، ومن نام في بيته فليس آمناً، ومن ركب سيارته فليس آمناً، ومن ذهب لقضاء حاجته فليس آمناً، ومن ذهب إلى مدرسته فليس آمناً، ومن ذهب إلى مسجده فليس آمناً، ومن حمل سلاحه للدفاع عن وطنه فليس آمناً، من جاء إلى هذه الدنيا مولوداً فليس آمناً، ومَنْ شُيع إلى مثواه الأخير مِنْ هذه الدنيا مقتولاً فليس آمناً، من مشا فوق الثرى فليس آمناً، ومن مات تحت الثرى فليس آمناً، لا فرق بين الحياة والموت، لا فرق بين النعش والسرير مادام ينام عليهما فلسطيني .

طوال الحرب على غزة لم تكتحل عيوننا بكثير نوم في ليالي الحرب، أغمضت أعيننا وبقيت أعصابنا البصرية علي قيد اليقظان، كانت الحرب في ذروة فصل الشتاء ومع ذلك تأخر سقوط المطر وكأن السماء لا تريد أن تمحو آثار القدم الهمجية، حتى لو أمطرت بحجم البحار ماءً هل ستكفي لإزالة كل هذا الدمار، ناجيتُ السماء قائلاً: لماذا بخلتِ علينا بماء مطرك؟ فقالت لي :لا أريد أن أبلل من نام في العراء بلا مأوى ولا غطاء.

استمرت الحرب قرابة شهر إلا قليلاً ثم أُعلن الانسحاب من طرف واحد، سمعتُ قصصاً تشيب منها الولدان ولا يصدقها الفؤاد ولا تفهمها العقول، هناك من تاه في الحرب فظن أهله أنه قد مات فأقاموا له بيت عزاء، وهناك من وضُع في ثلاجة الموتى ثم تبين انه علي قيد الحياة، هناك من شاهد أفراد عائلته يموتون أمام ناظريه ولا يستطيع أن يفعل لهم أي شيء، وهناك من ظن أن ابنه قد استشهد ثم تبين أنه ابن الجيران، كان الناس سكارى وما هم بسكارى حتى أنني رأيت امرأة تحمل حذاءً علي صدرها وتجري فيه في الشارع هرباُ من القصف بدلاً من أن تحمل ابنها، بيوت الله قُصفت وبيوت العباد قصفت،والجامعات قُصفت، الوزارات والدوائر الحكومية قصفت، حتى رياض الأطفال و مقابر الأموات تم قصفها، الحجر والبشر والشجر، الأطفال والنساء والشباب والرجال والشيوخ الكبار، العقلاء والمجانين و القاصرون والبالغون، منازل ذوي الشهداء ومنازل ذوي الأحياء، الكل في دائرة الاستهداف لا شيء غير مستهدف. في الليل والنهار،في الفجر والشروق والصباح وفي منتصف النهار وفي المساء، في كل وقتٍ كانت الحرب حاضرة،كالموت يأتي بغتةً بلا استئذان.

تجولت في شوارع غزة صبيحة يوم الانسحاب أكوام القمامة في كل مكان،رائحة الدم والبارود تفوح في كل مكان مشاهد تقشعر منها الأبدان، كيفما تمشي في شوارع غزة تجد الأطلال والأنقاض، وأينما تولي وجهك شطر مدينة غزة وتلتفت إليها تجد الخراب والدمار ولا شيء سواه.

سيارات الإسعاف وسيارات الأجرة وكذلك عربات الحيوانات تنقل الجرحى والمصابين والشهداء إلي المستشفيات.

مستشفيات القطاع ملأى بالجرحى والموتى صغاراً وكباراً، كل مستشفى بما فيها من شهداء تنضح حتى بلغ عددهم الألف ونيّفاً، والجرحى ما يزيد عن هذا الرقم.

شذهبتُ إلى أماكن التماس والتي كانت حكراً على قوات الاحتلال ورجال المقاومة وحدهم،لم اصدق نفسي أنّي أقف هنا وحدي مدنياً أعزل، آثار معارك حامية الوطيس دارت رحاها هنا،إني أشم رائحة زكية تحت هذا الركام إنها رائحة الشهداء، لم أصدق أنى مازلت حياً بعد الحرب، نظرتُ إلى سماء غزة، لم أجد أية طيور تطير، حتى العصافير التي كانت تحلق في سماء غزة لم تصدق أن الحرب انتهت بل بقيت معتكفة في بيوتها وأحصنت أعشاشها خافت أن تموت برصاص الاحتلال الإسرائيلي ، سألتُ نفسي سؤالاً ما الغاية من قصف المقابر؟ هل خافت 'إسرائيل 'من الأموات ويئست كما يئس الكفار من أصحاب القبور؟!

 

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...