الفلسطينيون على باب الدار
الكاتب: عبدالله كمال
فشلت الولايات المتحدة في ان تثني السلطة الفلسطينية عن المضي قدما بمشروع قرار يعترف بالدولة الفلسطينية يصدر عن الجمعية العامة للام المتحدة في غضون هذا الشهر. من المثير ان كل من اسرائيل والولايات المتحدة وحركة حماس يتفقون على انه لا ينبغي لسلطة رام الله ان تنجح في ذلك. لكنها سوف تنجح.
اللجوء إلى خيار الاعتراف بالدولة من خلال قرار تصدره الجمعية العامة للامم المتحدة معلن منذ اكثر من عام. لوح به ثم هدد به ثم اندفع نحوه الرئيس ابومازن، مدافعا عن حقوق شعبه وحاميا لشرعيته وضاغطا على اسرائيل. وسمعت به منه في اكثر من جلسة عقدت بينه وبين رؤساء تحرير الصحف المصرية ابان عام 2010 قبل وبعد الذهاب إلى مؤتمر واشنطن لاعادة تدشين المفاوضات في سبتمبر الماضي. لقد كانت هذه اللقاءات تعقد في قصر السلام بمصر الجديدة.
دعا اوباما إلى اعادة دفع المفاوضات. ذهب الزعماء الاقليميون إلى البيت الابيض. كان هناك مبارك والملك عبدالله وابومازن ونتانياهو. القيت خمس خطب بدأها اوباما. كل من كان يخطب معلنا التمنيات كان يدرك انه لن يكون هناك شيئا. سمعت هذا من مبارك وسمعته من ابي مازن. كان كلاهما يقول نفس المعنى: اذهب مع الكذاب إلى باب الدار. وفي عبارة ارق: افلح ان صدق.
لا هو صدق، اي نتانياهو، ولا الذهاب إلى باب الدار معه اثبت ان نواياه طيبة. المفاوضات تعثرت ثم تعرقلت ثم تعطلت ثم تجمدت. لا امل في اي افق ولا ضوء في نهاية اي نفق. بل ان جورج ميتشيل الذي استقدمه اوباما مبعوثا للسلام في الشرق الاوسط استقال قبل اشهر معبرا عن عدم رغبة في ان يمارس مزيدا من الحرث في الماء.
وقد كرر ابو مازن ان الفرصة متاحة حتى سبتمبر 2011 بعدها سوف نذهب إلى الامم المتحدة. وهاهو يصر على تنفيذ ما اعلن وفي الطريق إلى الجمعية العامة بمشروع قرار سوف يحظي تأكيدا وكما يدري الجميع بالموافقة خصوصا وان عديدا من الدول قد اعترفت فعلا بالدولة الفلسطينية.
يريد الفلسطينيون قرارا يمنحهم صفة "دولة غير عضو" في الامم المتحدة ويقر بشرعية الدولة، ويدين استمرار عمليات الاستيطان ويطلب وقفها وعلى اساس حدود اراضي 4 يونيو 1967. ومن هنا ينفجر القلق الرهيب في كل من اسرائيل والولايات المتحدة وايضا داخل حركة حماس.
واشنطن في معضلة. اذ انها متأكدة من ان التصويت سوف يكون لصالح القرار الفلسطيني. وهي تخشى ان يذهب الفلسطينيون بالقرار بعد ذلك إلى مجلس الامن. وقتها قد تستخدم الفيتو اعتراضا وتعطيلا.. وعندها سوف تكون في مأزق رهيب امام شعوب الشرق الاوسط التي تدعي واشنطن انها تساند ربيعها. وقتها سوف تفقد مزيدا مصداقيتها كراعية غير مجدية لعملية مملة وغير مثمرة لمفاوضات السلام.
اسرائيل تعرف العواقب، واخطرها ان الاعتراف بالدولة الفلسطينية سوف يجعلها محتلة لاراض عربية وليس متنازعة على اراض مع الفلسطينيين. وستجد نفسها امام تحد خطير وهو ان هذا الاعتراف يعطي الفلسطينيين الحق في ان يذهبوا إلى المحكمة الجنائية الدولية لكي يقاضوا اي مجرم حرب اسرائيلي. وفي غضون اعوام قد يجد عديد من جنرالات اسرائيل انفسهم ملاحقين من المحكمة. قد لا يحاكمون ولكنهم سوف يبقون محبوسين داخل بلدهم ومطاردين بحكم القانون.
حماس لديها معضلة اعقد رغم ان القرار يحقق المصلحة الفلسطينية الاهم. فهي ترى ان القرار الذي سوف يصدر سوف يعضد شرعية ابو مازن ومكانته. وان هذا سوف يضرب كل ما تقوله عن انه لم يعد رئيسا شرعيا. وهي ايضا تعاني من تناقض ايديولوجي اذ تظن ان عليها ان تطالب بكل ارض فلسطين التاريخية بما في ذلك الارض التي عليها اسرائيل ولا تريد الاقرار بقانونية المطلب على اساس حدود 4 يونيو 1967 وتقول ان هذا سوف يهدر حق العودة.
والاهم ان لديها نفس المخاوف الاسرائيلية من المحكمة الجنائية الدولية. فكما سوف تستخدم السلطة هذه الورقة ضد الاسرائيليين، قد تجد نفسها - اي حماس - ملاحقة من قبل اتهامات اسرائيلية اذا اتهم اي من قاداتها بانهم يقتلون في داخل الخط الاخضر ولا يقاومون في الاراضي المحتلة.
اتفق من يفترض فيهم التناقض. ولكن هذا الاتفاق لن يعرقل اتفاقا اعرض بين غالبية دول العالم على مساندة القرار الفلسطيني الراغب في الاعتراف بدولة ليست عضوا في الامم المتحدة.علما بان صدور هذا القرار لن يكون الخطوة الفلسطينية الاخيرة.
عبدالله كمال
كاتب سياسي مصري



