تأمّلات في زمن الثورات العربية
الكاتب: زهوة مجذوب
في جعبتي، القاصرة، عن هذه الانتفاضات الشعبية في محيطنا العربي والتي لا سابق لها تاريخياً (في عالم الشرق ذي الأكثرية الإسلامية)، أضع هذه الملاحظات بعد تأمّل ومتابعة (بخاصة من طريق العالم الافتراضي)، وذلك بوصفي شاهدةً ولبنانية، إنه حراكٌ شعبيّ، وجماهيري بحقّ. يتشكل موجات تنزل الى ساحة المواجهة كدسات كدْسات تبدأ من مكان ما ولا تلبث أن تتسع حلقات بعد حلقات، هذه الموجات الجماهيرية هي بالتالي عبارة عن خليط متنوع أفقياً وعمودياً.
وعليه، إن من يظهر في لحظة ما وكأنه هو الذي يشكّل المشهد سرعان ما يضيع بين الجموع وليس في إمكانه الادّعاء بقياديته كقيادة وحيدة للحدث، وإن ادّعى فهو إما يضطر الى التراجع لكي يبقى له محل من الإعراب أو يتلاشى على صعيد الفاعلية.
بعد عقود من القسْر والإذلال المادي والمعنوي: هي نفسها عقود نشأة الكيانات الدولتية، كسر الشعب المقهور الذي ابتلع طويلاً العبودية جدار الخوف. وأن تكسر جدار الخوف مرة واحدة وتتحدى القمع والاضطهاد فهذا يعني بسيكولوجياً أنك بتّ تمتلك الإرادة (أن تصبح فاعلاً لا مفعولاً به) التي ستتيح لك يوماً أن تكون سيد نفسك. في أن تكون حُرّاً، حريتك، المعادل لكرامتك الإنسانية.
مع كسرهم عقدة الخوف والدخول في المواجهة مع أدوات القمع التي تمتلكها أنظمة الاستبداد صارت لهم عناوين وليس زنازين مرقّمة. إسم كل منها ميدان أو ساحة. ميادين تشكل مساحة للنقاش بين وجهات نظر مختلفة (حوار) ومرجعاً لاتخاذ القرارات ولرفع المطالب المتفق عليها أو الخاصة بمجموعات أو أفراد. ميادين وساحات يتشبثون بها لأنها تمثل الساحة العامة بلغة الحداثة. الساحة العامة أو المجال العام المفتوح أمام الجميع بلا استثناء (مساواة). هذه التي تهيئ للدولة المفتوحة أمام الجميع على قاعدة المساواة القانونية.
إنّ مطلب الحرية يتصدّر لائحة المطالب المرفوعة أينما كان. والحرية عندما تصبح ديناميكية شعب، فإن هذا يشكل الخطوة الأولى التي لا بد منها للدخول في المعاصرة (الحداثة)... بحيث ينحو الوضع العام الى التطور من تحقيق السيادة على النفس إلى السيادة على صعيد الدولة. دولٌ لم تعرف، تاريخياً الدفاع عن سيادتها تجاه أي خارج سيادتها كانت عنواناً لممارسة القسر والإكراه على الشعب. وفي الأطراف ان سلطتها هي مزيج من القمع والمقايضة مع التشكيلات الاجتماعية المحلية. دوماً كان الحكم هو فئوي. ويمكن وصفه بحكم الأقلية الساحقة، ويعتمد في آلته القمعية على الفئة التي ينتمي إليها أركان النظام اجتماعياً. وعليه، فإن المجموعات الاجتماعية الأخرى قد أقصيت عن عملية اتخاذ القرار. مجموعات، بنيوياً، لكل منها خصوصيتها الثقافية (الثقافة بالمعنى الواسع أو الانتربولوجي) التي تنظر إليها كمعادل لوجودها.
إذا كانت لغة الحرب الباردة التي سيطرت في عصر دولة الحداثة القومية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى انهيارها مع انهيار الاتحاد السوفياتي أول التسعينات، قد حمت هذه النُّظم الديكتاتورية العربية، فإن عصر العولمة؛ عصر التداخل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي... عصر الشبكات حيث المعلومة (الافتراضي) تتصدر الموقع الأول ضمن مصادر القوة، هو العصر الذي أوصل هذه النُّظُم إلى انسداد الأفق فضلاً عن الانكشاف.
فالاضطرار الى الانفتاح الاقتصادي لاجتذاب الرساميل الناجم عن ضغوطات العولمة قد دفع هذه النُّظم الى القيام بإجراءات جزئية تسمح لرأس المال الخاص (القطاع الخاص) المحلي بالعمل والنموّ. غير أن هذا ظلّ محدوداً بحدود رغبة الحكام باستمرار السيطرة على مقدرات البلاد. وهذا لا يمكن أن يستمرّ إذا ما أريد حلّ مشكلة البطالة المتفاقمة لدى الأجيال الشابة ولا حل المشاكل الناجمة عن اضطرار أهل الأرياف الى الانتقال الى المناطق الحضرية، خصوصاً إذا لم تقترن بأية إصلاحات وبممارسة اللعبة الديموقراطية: من تداول سلطة عبر الانتخابات الدورية النزيهة والشفافة والضمان القانوني لممارسة الحريات العامة والخاصة.
وإذا كان هذا الانفتاح المحدود (اللبرلة الاقتصادية) قد أدّى إلى نشوء فئات هي عبارة عن مقاولي صفقات (وليس رجال أعمال) متكاتفة متضامنة مع جماعة النظام وتعميم الفساد (الفساد في عالمنا المعاصر مُقنَّن لأن القطاع العام هو المُمسك بخيوط الاستثمار، فإن حل هذا المأزق هو عبر المزيد من ممارسة القمع، أي اعتماد لغة الأمن كلغة وحيدة للتعامل مع المُستجدات. ومع انسداد الأفق، تساءَلَت، تلك الأجيال الشابة التي أُتيح لها اجتماعياً تحصيل العلم واكتشاف عالم القرية-الكونية: منْ نحن؟ وماذا نساوي (الكرامة الإنسانية). فكانوا الروّاد الى ذاك الحراك الشعبي الجماهيري؛ بل، إلى الانتفاضات.
طريقهم الى التغيير في ظل هذا الخليط المتنوع لم يكن من مناص إلاّ أن يكون توافقياً (التحول الديموقراطي توافقياً). وليس من خلال قاعدة الأكثرية لأنها تستبعد الجماعات الأقلوية والتي لن تستكين بحكم تكوينها ويكون إقصاؤها مدعاةً لعنف ولفوضى غير خلاّقة. التوافق الذي يقضي بالتنازلات المتبادلة بين مختلف الفرقاء. توافقات وليست «صفقة مُجملة». توافق يُجيب عن القسم الأخير من السؤال المذكور أعلاه: «وكيف في إمكاننا تحقيق العيش المشترك؟ سؤالٌ هو لبناني بامتياز منذ أن قامت الدولة اللبنانية».
وإنه سؤال العصر عندما تروح الى البحث عن سؤال هذا العالم المُعولم على صعيد مسألة الغيرية؛ أي مسألة العلاقة بين الأنا والآخر. سؤال الهوية كمشكلة: مَنْ نحن؟ والذي هو السؤال.



