إنه شهر استحقاق الأسرى
الكاتب: عبد الرازق فراج
اليوم يكون قد مضى على معركة الأمعاء الخاوية التي يخوضها المئات من الأسرى أربعة عشر يوما أي 336 ساعة! ، تسلح الاسرى خلالها بإراداتهم الفولاذية وبشعارهم الخالد " نعم لآلام الجوع لا والف لا لآلام الركوع " زنازين عزلهم خالية من كل شيء سوى بعض قطرات من ماء يقتاتون عليها بعد مصادرة الملح والدخان والأجهزة الكهربائية وحتى المخدات ! في محاولة لكسر اراداتهم التي تطال عنان السماء.
من لم يجرب تلك المعركة لا يعي بالملموس معنى أن لا تدخل امعاءه ومعدته سوى قطرات مياه طيلة 14 يوما، لم يتمكن السجان من مصادرتها مترافقة مع تنكيل وقمع وتنقلات وعزل، بما يحمله ذلك من آلام ومعاناه لا نظير لها ويصعب وصفها ولا يقوى على تحملها سوى اؤلئك الذين تفولذت اراداتهم.
معركة الاسرى الحالية هي من أقسى معارك الجوع العديدة التي خاضها الأسرى منذ عام 1967 ، ارتباطاً بعدة عوامل من ضمنها أنهم يخوضونها وهم غير موحدين كما معاركهم السابقة، ولأن شعبهم وقياداته أيضا غير موحدين، ولأنهم يواجهون أشد حكومات الاحتلال تطرفا، حيث أن بعضاً من الاجراءات التي أقدمت عليها ما تسمى بمديرية مصلحة السجون الاسرائيلية غير مسبوقة كعزل كل من يشارك في الاضراب وليس فقط عزل قادة الحركة الأسيرة أو قادة الاضراب، ومصادرة كل شيء حتى الملح والمخدات!
لذلك فإن عيون الاسرى المضربين عن الطعام ترنو الى الضمير الجمعي لشعبنا وكل أحرار الأمة العربية والعالم بأن يهبوا لنجدتهم، لأن حكومة نتانياهو - ليبرمان المتطرفة لن ترضخ لمطالبهم دون أن يترافق اضرابهم مع استنفار كل طاقات شعبنا
داخليا وخارجيا لنصرتهم، فهي معنية بكسر ارادات الاسرى، لأن خلفية الحملة ضد حقوقهم وما انتزعوه من مكتسبات عبر نضالهم الطويل، سياسية بامتياز تتعلق بالضغط على آسري شاليط لتقليص مطالبهم في صفقة التبادل بعد عجز الاحتلال عن استعادته بطرقه المعهودة، كما تتعلق بإفراغ الاسرى من دورهم ومضمونهم الوطني التحرري.
إذاً فإن معركة الاسرى هذه المرة شائكة ومعقدة وقاسية جدا، تتطلب استنفار الكل الفلسطيني سلطة وحكومة، قيادات فصائل، مؤسسات ووسائل إعلام، جامعات ومدارس، عمال وفلاحين وطلبة، نساء ورجال في الضفة وقطاع غزة وفي الداخل والشتات، بعيدا عن التجاذبات السياسية والانقسام السياسي، فأمر كارثي أن يتحول الأسرى الى موضوع للتجاذبات السياسية، بينما كانوا دائما أداة للوحدة وعنواناً اساسياً للعمل المشترك الموحد بعيداً عن أية اعتبارات حزبية ضيقة.
تكفي الاشارة في هذا الاطار الى وثيقة الاسرى الخاصة باستعادة الوحدة الوطنية، والى كونهم مع الشهداء في طليعة نضال شعبنا من أجل الظفر بحريته واستقلاله وعودته، بل وأكثر من ذلك هم من صنعوا منجزات شعبنا عبر نضالهم وتضحياتهم وعذاباتهم وآلامهم، بل هم من صنعوا القيادات بمختلف تسمياتها ومواقعها، بالتالي فإن قيمة الوفاء لهم ولمن قضى شهيدا منهم في معارك التحقيق والاهمال الطبي والامعاء الخاوية، تتطلب استنفار كل قوى شعبنا الحية لنصرتهم في معركتهم، وللضغط على الاحتلال للاستجابة لمطالبهم العادلة والانسانية، بحيث تتحول معركة نصرتهم الى واجب يومي للجميع يترجم ببرنامج واضح كي يتحول شهر تشرين أول الجاري الى شهر إستحقاق الاسرى، لأن نضالهم هو في مقدمة ادوات الوصول الى تنفيذ استحقاق ايلول على الارض وليس في أروقة الأمم المتحدة فحسب، كما أن نصرتهم ببرنامج فعاليات واسع يشمل كافة المحافظات يتبناه ويلتزم به الجميع سيقود الى وحدة ميدانية بين ابناء شعبنا تفرض على المترددين تنفيذ اتفاق المصالحة الموقع على الورق، وبالنتيجة تفعيل نضال شعبنا من أجل حقوقه.
إن اعتبار شهر اكتوبر شهر استحقاق الاسرى يعني فيما يعنيه أن تصبح قضية الاسرى قضية كل بيت فلسطيني وقضية كل ضمير حي في العالم العربي والعالم، أليس في نجاح اسرائيل في تحويل موضوع أسر شاليط الى قضية كل احزابهم واعلامهم ومؤسساتهم ورأيهم العام بل وطرحها في كافة المحافل الدولية ما يستدعي التأمل والتفكير وبالتالي فحص دور الجميع دون استثناء تجاه الاسرى، أم أن الاسرى سيكونون ضحية للتجاذبات السياسية وضحية لعجز ووهن الادوات التنظيمية والجماهيرية والعزوف عن الهم العام، هل أصبح شعبنا أقل وفاء لأسراه الذين اضطروا لأن يقاوموا بأمعائهم الخاوية بهدف الوصول الى شروط اعتقال انسانية بدون إذلال؟
هنا لا بد من تحية الى المناضل جورج ابراهيم عبد الله الذي اعلن اضرابه التضامني من سجنه بباريس كما انتفض مناضلون باسكيون وكورسيكيون في سجون اوروبا واعلنوا اضرابهم التضامني مع اسرى الحرية الفلسطينيين، بقي ان نقول ان على منظمات المجتمع المدني الفلسطيني وفصائل العمل الوطني ان تتوجه الى شباب الثورة في بلداننا العربية بأن يعلنوا يوما للتضامن مع أسرانا، هذا أقل واجب يمكن أن تقدمه هذه المنظمات ونحن على ثقة أن جماهير العرب الثائرة سيتقبلونها.



