الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:38 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:22 PM
المغرب 7:26 PM
العشاء 8:48 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

البوابة - نص شعري

 

ثمة متسع للكلام. ولا بُدّ من رقبة الديك حتى يظل قادراً على الصياح، ولا بُدّ من سكين المتنبئ حتى يشخب دم الطير على خدّها، ليعود بكامل ألوانه المزركشة بعد أن يرقص بقشعريرته، ويلف ويدور حول نفسه ذبيحاً طازجاً معفّراً بإكليله الأحمر المنعوف الساخن.

ولا بُدّ من تلك الهّزة العميقة التي تنشر برقها المتشعّب في الأوصال عند كل فجيعةٍ أو ذكرى، أو جَمال يبطش، أو دمعة رجراجة كاوية، عندها تحس أن أحشاءك تغوص بعيداًً، كأنك على عتبة التحوّل إلى كينونة أخرى.

ولا بُدّ من عافية الصراخ والبكاء والضحك المجلجل والشبق، والذهاب إلى آخر الموجة، أو إلى كهف الغابة المسحور.

ولا بُدّ من عَرقِ الخطيئة ونَهمِ اللذّة والشذوذ، حتى يكون للحسرة طعمها الجليل، ولا بُدّ من السجود العميق والصوم والتمسّح بأثواب النور، حتى يخفّ القلب ويجنّح مع النجمة اليتيمة الواعدة. باختصار، لا بُدّ من كل شيء حتى نسحب أوراق الجنون من الوردة الريّانة المحتشدة بالرقّة والشهد والرهام الرقراق.

وعليه، لا بُدّ من إدراك البوابة العصماء المنتصبة، على صدئها، منذ عشرات العقود، نمّر عنها كأنها قضاء فائت أو قدر ثابت، دون أن يسأل أحد عمّا خلفها، أو مَنْ أنشأها، أو معنى وجودها، وربما لم يجترئ أحدٌ على سبر غورها منذ قيامها، على اعتبار أن السؤال عن وجود جبل أو نهر أو صخرة هو ضرب من السذاجة والغباء والجنون! لكنها ليست جبلاً أو تلاً، إنها بوابة خشبيه عملاقة، تقف بين عمودين حجريين، وتحت قنطرة مقوّسة حجرية، وسط ساحة البلدة، هكذا كأنها كانت بوابة أحد البيوت أو الخانات أو المورستانات أو الجوامع، وجهها مثل قفاها؛ خشب سميك مثبّت بمسامير حديدية غليظة مدقوقة الرأس.
والعجيب أنه لا ظلّ لهذه البوابة، كأنها تقف في اللامكان، أو كأن ظّلاً عملاقاً شاسعاً يغطّي الساحة المظللة بكائن لم ندركه بعد. والأغرب هو أن البوابة دون أُُكرة أو يد تفتحها بها دفعاً أو سحباً، فهي، كما هو ظاهر، لوحات متّصلة ومركّبة على زوايا ناتئة ومشدودة بسيور حديدية رقيقة، خالطها الصدأ، لكنها لم تفقد حدّتها أو استواءها المالس.

وإذا كانت العواطف تُضْعِف القوة، فلا بُدّ من الحزم والتجرّد التام حتى أفكّ لغز هذه البوابة التي لا يحطّ عليها طائر، ولا يتكيء عليها واقف، حتى المطرُ الذي يصيب كل شيء لا ينزل عليها، كأنه يتحاشى السقوط فوقها. وربما لم يصدف أن اصطدم بها سائر، حتى ظلّت كما تبدو متماسكة سليمة لم يفختها حجر، ولم يخدشها إظفر أو سِنان. ومن المؤكد أنّ أحداً لم يتبأر أو يدقّق في تلك الرسوم والأشكال والحروف المحفورة، بدقة بالغة، على صفحة القوس الحجري، ولم يفسّر أحد تلك المقرنصات البادية أعلى العمودين الحجريين المصقولين بنعومة وأناقة ودقّة تدلل على أن البوابة أقيمت في عصر باذخ متقدم، لتكون نجمة الباني الذي سيتبعها أو يدفع الناس للانطلاق منها أو نحوها، ولكن، لماذا ومتى وكيف ومن أين؟ لا أحد يدري! كما أنّ الناس تهيّبوا، على ما يبدو، من أن يوقدوا ناراً بالقرب من البوابة، ولم يجازف واحد بأن ينطح البوابة بعارضة فولاذية أو خشبية أو بحجر ضخم، وآثر الجميعُ أن يمرّ عنها أو بالقرب منها باحترامٍ وهدوء وسلام. وظلّت البوابة على هذه الحالة، حتى يوم أمس.

* * *
استيقظ الناس فلم يجدوا البوابة ولا المصطبة الحجرية التي كانت تقف عليها برسوخ! كان كل ما يظهر تراباً مستوياً، هو امتداد الأرض التي شقّ وسطها المشاةُ طريقهم، حتى إذا وصلوا البوابة داروا نصف دائرة ليواصلوا الطريق. أما الآن، فلا بوابة ولا أعمدة أو أقواس، ثمة فراغ كامل، يمكن معه أن يظل السائر ماشياً دون دوران، وللتراب أن يتلبّد تحت أقدام الذارعين ذهاباً وإياباً ذلك الطريق الجديد.

وربما كان متوقعاً أن يجترح الناسُ غير تفسير، ويهجسوا بغير فكرة تبرر اختفاء البوابة! فاختلفوا وتجادلوا وذهب كل منهم إلى سبب يراه وجيهاً أو كافياً لأن يزيل تلك البوابة ويمحو آثارها. فمنهم مَنْ قال إن اختفاءها إنذار من السماء ليكفّ المسرفون عن الفحشاء والمنكر، ومنهم مَنْ أشار إلى إمكانية قيام القرية المعادية المجاورة بسرقتها ليلاً بخفّةٍ تستطيعها! ومنهم مَنْ أكّد أن الطبيعة قادرة على إحداث الكثير من الظواهر، وأن الإنسان لم يدركها جميعها، وبالتالي فإن اختفاء البوابة يجب أن يقودنا إلى البحث عن الظواهر الطبيعية غير المُدْرَكَة، ومنهم مَنْ همس قائلاً إن الحاكم أخذها ليجعلها باباً لأحد قصوره الكثيرة المتخفّية في الغابات ووراء الجبال، ومنهم مَنْ أوضح أن طيراً هائلاً التقط البوابة بمنقاره الضخم وراح بها في الفضاء، ومنهم مَنْ قال: لم تكن هناك بوابة أصلاً، عن ماذا تتحّدثون؟!

.. وخفت صوت الناس، وانشغلوا، يوماً بعد يوم، عن ذكر البوابة، حتى لم يعد يذكرها أحد سوى الذين أطلقوا اسم "البوابة" على الطريق الذي يقطعها، دون أن يتوقف ذاكر اسمها عند أصلها أو قصة اختفائها.

ونسي الجميع البوابة وأمرها. ومرّت الشهور والأيام، وبعد عقدين أو يزيد، لاحظ أحدُ المعلمين أن تلميذاً صغيراً يرسم بوابة على كرّاسته، وتكاد الرسمة تكون صورة فوتوغرافية عن البوابة التي اختفت.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...