الفلسطيني
الكاتب: د. المتوكل طه
الى ياسر عرفات في ذكرى قيامته الدائمة / المتوكل طه
ألَم يَنتَهُوا بَعدُ !؟
هذي المَزَامِيرُ مَاءٌ ،
وثمَّةَ برق بهذي الغُيومِ ،
وصوتك أَحلامُ مَن لَم يَعودُوا ..
جَلسنا على مَفرقِ الشَّمسِ ، كانت تَجيءُ لَنا بالسَّنابلِ والزَّهرِ ، والبيتُ في بَيتِ شِعرٍ قَديمٍ
يَليقُ بِأحجارِهِ المُعشِبات ، ولَم يَعرفِ الإخوةُ السَّاهرونَ السَّواحلَ في شَهوةِ النَّائِمات اللَّواتي صبرنَ ، وأَعددنَ ثَوبَ الحِدادِ الطَّويل .
وكانت أَباريقُكَ ؛ اللَّيلُ والنَّايُ تَسقي الحزينَ .. وتَربطُ قَلبَيْهِ بالوَطنِ الغائمِ المُهتَدي بالقَذائفِ والمَوتِ كي لا تَكونَ الحَياةُ كما رَسَمُوها على صَفحةِ الرَّملِ .. ظِلاًّ على الجَسدِ المستَطيل .
خَرَجْتَ من الأَخْذ ، كانَ التناقضُ في شَاهدِ الحقِّ أعني المُخيّمَ ، في بحثهِ عن فضاءِ الكرومِ ، وعاكستَ نومَ الطَّواويسِ ، أبصرتَ أن المسدسَ قبل الغصونِ ، إذا التبسَ القاتلون .. ولو أنّهم أخذوا الإصبعين
لما كنتَ في هاجسِ الشِّعرِ رمزاً ، وما لَبِسَتْ زهرةُ البرقِ تيجانَها ، إنّما خانكَ الخائنونَ الذين إذا ذُكِرَتْ أرضُنا .. انْذَهلوا .. ثم ما لم يكن كان بالرّحمِ والرُّوح .. وما كنتَ تُعطي الأمانَ إذا لم يكن غَدُنا .. في الجليل .
أرادوكَ ، في الصَّحَراءِ ، الطريدَ إذا لم تكن راعياً للقطيعِ ، وسقّاءَ ماءٍ ، فإنْ أزهرَ الرَّحْمُ أو ضَوَّعَ الفَحْمُ فالسَّهْمُ في الظَّهرِ حتى يضيعَ المدى والدَّليل .
وكَم بُحَّ صَوتُ المُنادِي ، ولَم يَسمَعِ الأَقربونَ .. دُفِنْتَ وقُمتَ وأَبعَدَكَ اللَّيلُ حتَّى يَنامَ ، وقُمتَ كما كنتَ تَنفُضُ لَحماً وظُلماً ولمَّا خَرجتَ : إلى أَينَ ؟ قُلتَ : إِلى مَاسَةِ المُستَحيل .
وكيفَ لنا بعد هذا الجنونِ الذي اجترحَ العَقلَ أنْ نفقِدَ التُّرْسَ ، والرُّمحُ من كلِّ فجٍّ يجيءُ ، وفينا ، على عَصْفِنا ، ألفُ جُرْحٍ بِكعْبِ الأخيل ؟
وها أنتَ في حَمأَةِ السُّورِ ، في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ؛جَنينٌ من النُّورِ خَلفَ الجِدارِ الحَديدِ هنا ابتدأَ الحَمْلُ ؛ من نُطفةِ الرَّايةِ المُِشتَهاةِ على حَجرِ الطِّفلِ والبُندقيَّةِ ، والقَوسُ يُكمِلُ زينَتَهُ للمياهِ وللسَّيفِ يَفتحُ للعائدينَ الجوامعَ ، والبُرجُ تَنثالُ أَجراسُهُ السَّلسَبيل .
وَمنْ ذا الذي ظَلَّ في العينِ إنْ أيقَظَ الصَّـقْرَ أو صَدَّعَ الصَّدْرَ ؟ حطّوا وراحوا ؛ المغولُ التَّتارُ الفِرنجةُ والفُرْسُ والسِّيرُ والقُمْصُ والرُّومُ والفُونسُ ، والتَّائهُ الجِبْسُ والبُرْصُ والخُرْسُ والكِنْجُ والبُصُّ جاءوا وزالوا وكانوا وآلوا كأنْ لم يكونوا ! دخيلاً تَرَسَّم خَطْوَ الدَّخيلْ .
نثارُ الصِّغارِ المضيءُ مضى للبعيدِ ، وأشعلَ نارَ الهدايةِ في النَّطْعِ من صَدرِنا ينبعُ الكهرمانُ ومن أرضِنا يطلعُ السنديانُ ونروي الحكايات حتى يجيءَ إلينا الزمانُ .. وأنتَ الوحيدُ الذي قال : لا للذي يمسكُ الكوكبَ المحتفي بالدماءِ .. ورغمَ الرمادِ المحيطِ جمعتَ المواقدَ صوّحتَ في الصَّمتِ ما أطبقَ الطائراتِ على الأرجوان .. ومن عتمةِ القصفِ نبدأ ، حتى نرى .. كيف يمضي ، بعيداً دخانُ الرحيل.
لدينا شبابيكُ وردٍ وأحجارُ كُحلٍ وغزلانُ موجٍ وأبناءُ حقلٍ وحسرةُ أمٍّ .. تنادي على شجرٍ لا يميل .
كأَنَّا ابتدأنا من الموتِ حتَّى نُرنِّقَهُ بالحَياةِ ، وقُلنا : تَعالوا إِلى بَهجةِ الانفِجارِ ، وكانت تِلالُ الشَّواهدِ أَنَّى خَطونا تُلاحقُنا .. لَم نَقِفْ، وانطلَقنا معَ الجُرحِ والنَّوحِ ، فينا المُلوحَةُ والنَّحلُ والدَّارُ والرَّحلُ والرَّملُ والسَّهلُ
والنَّارُ والنَّخلُ كلُّ المُغنِّينَ فينا ، ونَهرُ الفَجائعِ ، والكَشفُ ، والصُّبحُ في بُرعمِ اللَّوزِ واللّيلُ مُحتَشدٌ بالعَويل .
غَمَستَ أَصابِعَكَ البِيضَ في جَفنَةِ الثَّأرِ ، كانوا وراءَ المضَاربِ مُلتَحفينَ الخَناجرَ ، أَبناءُ أَعمامِكَ الصَّامِتُونَ ، الَّذينَ تَوالَوا على لَحمِكَ المَجدَليِّ ، اختَفوا عندما جَاءَتِ الأَرضُ في ثَوبِها المَقدسيِّ ، وَحُمِّلْتَ ما لا يُطاقُ ، ولكنَّكَ الكَبشُ يُفدِي بكَ اللَّهُ أَبناءَهُ الطَّيِّبين ، وأَنْ لا يَكونَ عَلينا السَّبيل ..
أعدّوا المراثيَ ألفاً بلا مُلْصَقٍ للجدارِ ولو كان صوفُك منهم تَبِعتَ المليكَ الذي ضَلَّ .. يوم الغداة ، ولو كان خُبزك من بيتهم ، كنتَ عبداً يسوق السُّعَاة ، ولو كان سيفُك من غمدِهم كنتَ حارسَ ما ملكوا من لُهاة ، ولو كنتَ منهم لأصبحتَ في عرشك السَّيِّد المُستعار .. ولكنَّكَ الأيْلُ من أرضِ كنعانَ لا يغمض الجفنَ حتى تعودَ السَّما للهديل.
كفى أنّك ، الآنَ ، بعضُ الذي باركَ اللهُ طيناً من القُدسِ تلكَ التي شَرِبَتْ دمعةَ النارِ والأولياءِ وهذي بلادُكَ منذُ الخليقةِ كوّنها الربُّ حتى تكونَ الوصيفةَ للحُسْنِ والخُلدِ ، جنَّتهُ في الكواكبِ أُمثولةً للتي سوفَ يعبرها الأنبياءُ على سُرُرٍ تحت ظلٍّ ظليل .
ومن زمنٍ يصطفيكَ الذي يصطفي الشُّهداءَ لتكتبَ إلياذةَ الناسِ بالخيلِ حتى تكون البسيطةُ مطهمةً بالصَّهيلِ .
وفي كل برٍّ سهامٌ تشير إلى بيتكَ السَّاحليّ ، هنا يهبطُ النجمُ في جمرةِ الكَسْتَناءْ وبنتٌ تُعيد مناديلَها للنِّداءْ وترجع من نَبْعِها دون ماءْ .. وفي بيتك النرجسيِ الضفافُ التي غمرتْ أغنياتِ النساءِ اللواتي عَجَنَّ القرنفلَ بالزَّنجبيل .
تُحاصِرُكَ الأَرضُ ؟ هذا فضاءُ الأَغاني ، ومِعراجُ أَجدادِنا للسَّماءِ ، وصوتُ النَّبيِّ على خَشبِ الزَّيتِ اِضْرِبْ بِقَبضَتِكَ البَابَ تَصحُو القِبابُ وتَبقَى على عَهدِها للقَتيل ..
وهذي طبولُكَ خلفَ التِّلالِ ، وطيرُ العقاب على كتفِ الغيمِ ، والعُرْسُ يبدأُ عمّا قليل .



