قراءة أخرى لنيل عضوية "اليونسكو"
الكاتب: ريما كتانة نزال
جربنا جميع الدروب والمسالك، وامتحنا الوسائل الممكنة والمستحيلة، سجلنا في جميع المساقات والامتحانات، حزمنا الحقائب والأوراق نحو المحافل والمؤتمرات للحصول على الحرية والكرامة. أممْنا دور العبادة مبتهلين لنصرة الحق على الباطل. جربنا كل شيء، وبكل حرارة الدنيا أطلقنا العنان لخيالنا وأجسادنا، قاتلنا تظاهرنا انتفضنا وهببنا، واختبرنا قوتنا وضعفنا، وبين فاصلة وأخرى كنا نجادل ونساجل ونفاوض لاقتلاع الاحتلال والإحلال، صعدنا وهبطنا جميع درجات الهذيان لاستعادة الوطن المستحيل، وعدنا من كل هذا إلى خط البداية..
بالقرب منا تسكن الصيغة دائماً، صيغة فلسطينية نقية كندى الربيع، تحمل على أكتافها التاريخ والجغرافيا، تحمل في ثناياها عودة الفلسطيني من ثنايا قرارات لحق حوافها الصدأ، وترسمنا على خريطة ذات جبال وسهول وهضاب وأنهار وصحارى، صيغة تحدد معالم الحرية كحالة طليقة غير خاضعة لشروط التفاوض، صيغة تعلن أن الكرامة لا تقبل الرقابة ولا تستسيغ الانضباط لوقت الاحتلال ومقاييسه، وترفض وضع الاشتراطات والكوابح في عجلات الحرية.
الصيغة الربيعية المتكئة على التجارب تقودنا الى الشرعية الدولية للمطالبة بالحرية والكرامة، مشتقة من حالة انكشاف العالم وموقفه الأخلاقي، تحتج على ألوانه المحايدة والرمادية التي تتلطى خلف ما يسمى بالامتناع، وتتمرد على استخدام الوسائل غير الشرعية للغايات غير الشرعية. ربيعنا وصيغتنا العابرة للتجارب والاختبارات، تغزل من قماش ضعفها نسيج قوتها، وتعيد تصميم وتجديد مشروعها الوطني، لذلك فهي صيغة واقعية لا تزرع الأوهام او تنثر الورود، بل تعرف بأن شوك الربيع أكثر من ورده، وبأن حجم النزيف أكبر من كمية الضماد.
أول الغيث قطرات غمرت ردهات "اليونسكو"، حيث انتصرت الصيغة الفلسطينية في المنازلة الأخلاقية الأولى، الحق والباطل يتنازلان وجهاً لوجه في الساحة الدولية، هما ندان متقابلان نقيضان لا يتفاوضان. لقد تمكن الحق أن يفرز الكون الى ثلاثة عوالم أرضية، عالم يساند حرية الشعوب وتحقيق الكرامة، وعالم رمادي خائف من اطلاق سراح الضحية، وعالم ثالث سارد في استبداده المطلق. في "اليونسكو" جاء جواب العالم على السؤال الربيعي الأول لفلسطين: نعم كبيرة لاعتلاء الوطن المستحيل الدرجة الأولى نحو العضوية الكاملة غير المنقوصة.
المواجهة التاريخية بين الحق والباطل فرزت ساحة الصراع بمشهد جديد، ضوء مبهر على جبهة معولمة تنادي بعودة الحق، ضوء على مضيق يحاصر جبهة المعادين للحرية والربيع. مشهد غريب يسحب من الضعف خيوطاً قوية، صورة غير مسبوقة لربيع فلسطيني يمد الضعف العالمي بأوردة تمدد السخونة في أوصاله المغيبة والمحايدة.
في "اليونسكو"، أتى الاعتراف بالصيغة الفلسطينية باعترافات أخرى جديدة. حيث جاء الاعتراف بعضوية فلسطين، التاريخية والحضارية والإنسانية والثقافية والتراثية، بالإقرار بحق شعبها العريق والمتجذر في أرضه بموقع الصدارة بين الأمم، ليطور ويبني ويشارك بالتنمية. وأحضر الاعتراف بعضوية فلسطين شعوب العالم من غياهب النسيان، بل أخرجها من حالة الإقصاء والاستبعاد عن القرار، ونشلها من المنع من الإدلاء بدلائها، السياسية والثقافية، وأعادها إلى موقعها الطبيعي في دائرة الضوء واتخاذ القرار.
منازلة "اليونسكو" استهلال مشجع استطاع أن يوفّق ويجمّع الشعب، استهلال موفق أضاء العالم عندما بدأت ترجمة النسخة الأولى للصيغة الفلسطينية التي بدأت في "نيويورك". لقد انتزعت الصيغة المفاتيح من يد الاحتلال وأعوانه ليضعها بيد العالم الحر والأمم المتحدة. انها خطوة التحدي للقوة الطاغية في مشوار الألف ميل بعد خطوة تقديم طلب الانضمام الكامل للشرعية الدولية. انها خطوة عميقة بكل تجلياتها وصعوباتها، لكنها الخطوة التي تتطلب المراكمة عليها نحو خطوات جديدة في المؤسسات الدولية المثيلة لاستعادة حقوقنا الشرعية من جانب، واستعادة صلاحيات العالم من جانب آخر.
بعد منازلة منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، ستكون المواجهة بين الحق والباطل كأم المواجهات، وهي حالة لا هوادة فيها، مستمرة وقائمة منذ الأزل، وإن حقق الباطل انتصارات كبيرة ومتوالية، فلكل قوة وقت ونهاية، فبين القوة الخلاعية والضعف الخائر شعرة رفيعة يعسر تبيّن حدودها حتى تغدو خلفنا، وبعد مرور اللحظة التي يتم تجاوزها وقطع العلاقة معها.
فالربيع الفلسطيني الخاص وفق الصيغة الفلسطينية، يمتلك من الشوك أضعاف امتلاكه من الورد، ربيع فريد يغذ الخطى نحو التغيير، جاعلاً منصة انطلاقه نيل العضوية الكاملة غير المنقوصة في الأمم المتحدة للدولة الفلسطينية ذات السيادة وعاصمتها القدس، و"ما بضيع حق وراه مطالب".
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



