"روس" محامي إسرائيل: فشل في إقناع القيادة الفلسطينية.. فسقط !
الكاتب: هاني حبيب
بعد تسريب ما جاء في الحديث الخاص الذي جرى بين الرئيسين الفرنسي ساركوزي والأميركي أوباما على هامش قمة العشرين في "كان" ووصف ساركوزي لنظيره الإسرائيلي نتنياهو بالكذاب، ورد أوباما أنه مضطر للتعامل معه يومياً، في هذا التسريب ما يشير إلى موقف حقيقي من رئيس الوزراء الإسرائيلي، وهو الأمر الذي عالجته معظم ردود الفعل على هذا التسريب، غير أننا نرى أن أهم ما جاء في هذا التسريب، هو غير ذلك، إذ إن التعامل اليومي بين أوباما ونظيره الإسرائيلي، هو أهم ما جاء في هذه المحادثة الصادقة، فإسرائيل وحكومتها هما الشغل الشاغل للرئيس الأميركي، ربما أكثر من معالجة الأزمات المستعصية، الاقتصادية على وجه الخصوص، والتورط الأميركي في العراق وأفغانستان وربما إيران، إسرائيل هي مسألة داخلية أميركية، خاصة مع اقتراب بدء الحملة الانتخابية للرئاسة، فالرئيس الأميركي مضطر للتعامل مع هذه "المسألة الداخلية" بشكل يومي باعتبار أن هذه المسألة هي مفتاح لكافة القضايا المستعصية الأخرى من وجهة نظر إدارة أوباما الساعية إلى التجديد في انتخابات الرئاسة القادمة لولاية ثانية.
ولعلّ إدارة أوباما، كما إسرائيل وحكومة نتنياهو، ستفتقدان أحد أهم عناصر "التعامل اليومي" بين الإدارتين بعد استقالة مستشار البيت الأبيض دينس روس والتي أعلنها أثناء غداء مع عدد من زعماء الجالية اليهودية، أحد أهم أصدقاء إسرائيل في إدارة أوباما، ورغم أن روس علل استقالته بوعد قطعه لزوجته، إلاّ أن بعض وسائل الإعلام الأميركية، بررت هذه الاستقالة، بفشله في آخر مهماته في الشرق الأوسط، خاصة لمدينة رام الله العاصمة المؤقتة للدولة الفلسطينية، فشله في إقناع القيادة الفلسطينية بعدم المضي قدماً في تقديم طلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، رغم محاولة الإيحاء بموقف أميركي مختلف لإحياء العملية التفاوضية على أساس العودة إلى حدود العام 1967 "مع الأخذ بعين الاعتبار العامل الأمني بالنسبة لإسرائيل بما في ذلك الوضع الاستيطاني" وهو الموقف الذي أفشل مساعيه في إقناع القيادة الفلسطينية بعدم طرح عضوية دولة فلسطين الكاملة في المنظمة الدولية، إذ إنه ليس في هذا الموقف أي جديد ويتناقض مع المطلب الفلسطيني الواضح بضرورة وقف العملية الاستيطانية تماماً قبل الحديث عن أية مفاوضات.
والواقع أن اختيار إدارة أوباما، لروس للانضمام إلى وزارة الخارجية العام 2009 كمستشار أول لديها، قبل أن ينتقل في حزيران الماضي إلى مجلس الأمن القومي، كان مفاجئاً ومتعارضاً مع التوجهات الأميركية في بداية عهد أوباما فيما يتعلق بالخطاب الأميركي حول قضايا الشرق الأوسط، بالنظر إلى أن روس هو أحد أهم أصدقاء إسرائيل، والانفتاح الأميركي على قضايا الشرق الأوسط في بداية عهد أوباما يتناقض تماماً مع خطاب هذه الإدارة، الأمر الذي اعتبر في حينه، أحد الدلائل على عدم جدية إدارة أوباما في اتخاذ مواقف مختلفة عن الإدارات السابقة فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، خاصة على الملف الفلسطيني الإسرائيلي.
كما يعتبر روس أحد الساسة في إدارة أوباما الذين وسموا السياسة الأميركية بسلسلة من التراجعات السياسية حول قضايا الشرق الأوسط، كالتراجع عن اعتبار القدس جزءا من الأراضي المحتلة التي يتوجب وقف الاستيطان فيها، ويقال إن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون تأثرت بمستشارها، عندما كان على سلك الخارجية، بهذا الشأن. أكثر من ذلك، فإن الصداقة الحميمة والعائلية التي تربط بين روس، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي اسحاق مولخو، مكنت إسرائيل وبدعم من روس في تعزيز التعاون العسكري والأمني بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
خلال عمله، قام روس بمهماته كمستشار، لبعض الوقت في الشؤون الإيرانية، غير أن هذا الملف، كما هو معروف، مرتبط أشد الارتباط بالصراع العربي الإسرائيلي وملفات الشرق الأوسط وعلى الأخص الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وقد سمحت له ظروف عمله على الإطلالة الشاملة من وجهة نظر أميركية ـ إسرائيلية على ملفات الشرق الأوسط، ما مكنه من تأليف كتابين، عبر خلالهما عن وجهة نظر تحمّل في الغالب الجانب الفلسطيني مسؤولية عدم التوصل إلى اتفاق سلام مع الإسرائيليين.
وليس من السهل الاقتناع بمبرر روس للاستقالة في هذا الوقت بالذات، بالتزامه بوعد قطعه لزوجته، والغالب أن تعقيدات الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وفشله في الضغط على القيادة الفلسطينية، هما السبب الرئيسي لاستقالته على أبواب الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية، وإذا كانت إسرائيل ستخسر صديقاً لها في البيت الأبيض، فمن المؤكد أن هناك العديد من رجالات السياسة في الولايات المتحدة والمقربين من اللوبي اليهودي، لن يترددوا في التعويض عن هذه الخسارة، غير أن الرئيس الأميركي أوباما، يمكن أن يكون الخاسر الأكبر لفقدان يده اليمنى في "التعامل اليومي" مع إسرائيل وحكومة نتنياهو.
ومن اللافت، أن استقالة روس، والإعلان عنها، لم تتم عبر القنوات المعروفة في البيت الأبيض، بل خلال تناوله الغداء مع بعض زعامات اللوبي اليهودي، ولهذا التوقيت المتعلق بالمكان والمناسبة، أهمية بالغة تعبر عن مدى انجراف روس في تأييده المطلق للمواقف الإسرائيلية، على حساب المصالح القومية والاقتصادية والسياسية والأمنية لبلاده، الولايات المتحدة الأميركية، ويقال بهذا الصدد، وكما أشارت بعض الصحف الأميركية، أن روس نصح الإدارة الأميركية بعدم التعامل مع إيهود باراك، كوزير للخارجية، بدلاً من التعامل مع وزير الخارجية ليبرمان بعدما فقد هذا الأخير مصداقيته، ونجاحه في الاحتفاظ بأكبر عدد من المحتجين على سلوكه وأدائه، وقد علل روس ذلك، بأن باراك هو منافس سياسي لنتنياهو، وليس من المفيد التعامل معه نظراً لحساسية هذا التنافس، كما قيل، أيضاً، إن استقالة المبعوث الرئاسي الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشل، جاءت إثر إفشال روس لمساعيه في استئناف العملية التفاوضية نظراً لتبني روس للموقف الإسرائيلي بشكل مطلق، ما جعل قدرة ميتشل على الضغط على الجانب المعطل للمفاوضات أمراً صعباً، بل مستحيلاً، ما أدى في نهاية المطاف إلى استقالته.
يغادر روس البيت الأبيض، الشهر القادم، كي ينضم إلى "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" وهو مركز فكري وبحثي في الشؤون الإسرائيلية وتأسس العام 1985، بدعم من (إيباك) اللجنة الأميركية ـ الإسرائيلية للشؤون العامة، أي اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، والمركز من أهم مرجعيات السياسة الخارجية لكافة الإدارات الأميركية فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وهذا يعني أن إسرائيل لم تفقد حليفاً لها، بقدر ما أنها أسندت إليه مهمة لا تقل أهمية عن تلك التي غادرها، إلاّ أن هذه المغادرة، ستزيد من الهجوم الإسرائيلي، كما الحزب الجمهوري على إدارة أوباما، بعدما كان موقع روس، هو الحائط الذي تستند إليه إدارة أوباما في تأكيد انحيازها لصالح إسرائيل، فالحزب الجمهوري على أبواب الحملة الانتخابية للرئاسة، سيصبح أكثر قدرة على اتهامها لأوباما بأنه غير قريب من إسرائيل، بما يكفي، بعدما غادر روس موقعه الذي شكل أحد دلائل انحياز أوباما وإدارته للدولة العبرية.
السفير الأميركي المتقاعد، والرئيس السابق لمجلس سياسات الشرق الأوسط في واشطن تشاس فريمان علق قائلاً: "روس يعود لتصدر اللوبي الإسرائيلي، تاركاً خلفه فوضى دبلوماسية"!!.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



