البوسنة وفلسطين
الكاتب: فؤاد حسين
المتتبع لتاريخ البوسنة القريب لم يفاجأ لموقفها في مجلس الأمن من الطلب الفلسطيني الحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة، ذلك الموقف الذي حال دون التصويت على الطلب الفلسطيني لعدم توفر تسعة أصوات من أصل خمسة عشر، مجموع أعضاء مجلس الأمن، للموافقة على الطلب، مما كان سيضع واشنطن في موقف حرج سيضطرها لإستخدام حق النقض، وما يمكن أن يترتب على هذا الإستخدام من تبعات في الشارع العربي، خاصة في ظل اتقاد جذوة الربيع العربي، الذي تحاول الولايات المتحدة من خلال ركوب موجته، تحسين صورتها القبيحة لدى شعوب المنطقة.
المسلمون الذين تطوعوا لنجدة البوسنيين عام 1993، وغالبيتهم من العرب، لم يبخلوا بدمائهم في الذود عن أرواح وممتلكات ومساجد البوسنيين في وجه الهجمة الصربية العنصرية، وأستشهد الكثيرون منهم ودفنوا هناك، لكن مجرد أن وضعت الحرب أوزارها، إنقلبت الحكومة البوسنية، إستجابة لرغبات الغرب وواشنطن، على المقاتلين العرب، وأخذت تنكل بهم وتطاردهم وتزج بهم في المعتقلات، وسعيد الحظ منهم، كان نصيبه الإبعاد، والبعض الأخر سحبت منهم جنسياتهم، مع أن الكثيرين منهم كانوا قد تزوجوا من بوسنيات وأنجبوا أطفالا واستقروا هناك. فقد تم سحب الجنسية من أكثر من 450 منهم، تمهيداً لطردهم دونما اكتراث باستقرارهم في البوسنة وما يترتب على ذلك من ضياع نحو 1200 طفل هم أولاد هؤلاء العرب الذين تزوجوا من البوشناق.
فمن يستجيب للإملاءات الأميركية ويتنكر لمن ضحوا بدمائهم في سبيل حرية البوسنيين، ليس مستغربا منه أن يتنكر لأي شعب عربي أو مسلم، ما دام ارتضى أن يرهن قراراته بيد غيره، ويصبح مجرد رقم يستخدمه الأخرون وفق مصالحهم، حتى وإن كانت ضد شعب عانى ويعاني مما عانوا هم أنفسهم من إحتلال وقتل وتهجير.
بوسنة اليوم، هي غير البوسنة التي بنى الزعيم الوطني المسلم علي عزت بيغوفيتش، الذي أعاد لبلاده هويتها الإسلامية الحقيقية، دون أن يطمس جذورها الأوروبية، فقد كان بحق، يدرك أهمية أن تنشأ دولة مسلمة في قلب اوروبا، تحفظ هويتها الدينية، وتحافظ على إنسجامها مع محيطها الغربي. بوسنة اليوم، لا تعدو أن تكون أكثر من محمية أميركية، لم يبق للإسلام فيها سوى الشعائر الدينية والمظاهر الفلكلورية، ذرا للرماد في العيون.
الموقف البوسني درس لكل العرب، حكاما ومحكومين بأن لا ينخدعوا بعناوين الشعارات، فالمصالح هي من يحكم المواقف، مهما كانت الشعارات براقة، فعالم اليوم لا تقيده إنتماءات عرقية ولا دينية، ولا تربطه وشائج روحية أو جغرافية، فمن يدفع في النهاية، هو من يقرر، وواشنطن ومعها أوروبا، هم من دفعوا المال لإعادة بناء البوسنة، مع أن العرب دفعوا ما هو أغلى وهو الدماء، لكن كفة المال هي التي رجحت في النهاية، والدماء ذهبت الى صفحات التاريخ، لم تنفع سوى أصحابها الذين لم يسعوا لجاه ولا لمال، بل الى الجهاد مرضاة لله تعالى.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



