لمـن تقـرع الاجـــراس
الكاتب: أفرايم أسكولاي،مترجم عن صحيفة الدستور الاردنية
روسيا، كما يبدو، لا ترغب في العمل ضد ايران، وتفضل استنفاد الخطوات الدبلوماسية (العقيمة). وللصين دور عميق في الاقتصاد الايراني. جرس التحذير قرع. هل الامم الاخرى ستنهض لتواجه التحدي؟.
ملحق تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية للعام 2011، والذي نشر متأخرا جدا وبعد انتظار شديد له، وزع على مجلس أمناء الوكالة ومجلس الامن في الامم المتحدة في 8 تشرين الثاني 2011. رغم أن الملحق يتضمن الكثير من المعلومات الجديدة والمشوقة جدا، فان رسالته الاساسية في ان ايران بالفعل نشطة في تطوير سلاح نووي لا ينبغي أن تفاجيء من تابع التطورات، مثلما أفادت التقارير الدورية للوكالة الدولية.
الملحق الحالي يكمل فجوة المعلومات عن تطوير السلاح النووي في ايران، أي، معالجة المادة المشعة، اليورانيوم المخص في مستوى عال (HEU)، وادخالها الى جهاز متفجر يسمى ايضا مرحلة التسليح. المرحلة الاولى، مرحلة تخصيب اليورانيوم، والمرحلة النهائية، منظومة اطلاق عسكرية - صاروخ أرض - أرض كانت مكشوفة للجميع. رغم المؤشرات بان ايران عنيت أيضا بمرحلة التسلح، فقد تردد العالم في الاعتراف بذلك. وقاد هذا النهج في قسم منه المدير العام السابق للوكالة د. البرادعي، ودعمه تقرير الاستخبارات الوطنية الامريكية (NIE) الذي نشر في 2007 واشير فيه الى أن ايران كفت عمليا عن هذا النشاط منذ العام 2003. وكان الجميع (باستثناء اسرائيل) مستعدين لان يكتفوا بهذا التقدير ومواصلة الضغط على ايران، بداية من خلال مفاوضات غير فاعلة، ولاحقا - من خلال عقوبات من مجلس الامن في الامم المتحدة، كان لها تأثير قليل فقط على مشروع تطوير السلاح النووي. كان هناك أيضا من انتظر لرؤية "المسدس المدخن" قبل أن يفكر باتخاذ عمل أكثر تطرفا. رغم أن المسدس المدخن، الذي يشير الى هذا النشاط كان هناك منذ زمن بعيد، لم يتخذ أي عمل حاد. عمليا، حتى في هذا الوقت، ثمة من يعتقدون بان التطويرات الايرانية ليست خطيرة بما يكفي لحملهم على هجر موقفهم التقليدي في الامتناع عن المواجهة.
ملحق تقرير الوكالة، الذي يتخذ عنوان "بعد عسكري محتمل لبرنامج ايران النووي"، يقدم في البداية استعراضا تاريخيا للموضوع، كما تراه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبعد ذلك يعرض الاسس لتحديد مصداقية الادلة التي استندت اليها التقديرات الحالية. وبالنسبة لمحاولات ايران التشكيك بمصداقية الادلة ووصفها بالمزورة، فان هذه مقدمة ضرورية لما يعرض في لاحق التقرير. توجد مصادر معلومات عديدة يستند اليها التقرير. وتتضمن هذه معلومات وفرتها دول أعضاء في الوكالة الدولية، تحليل للمعلوماتت من مصادر علنية، بما في ذلك صور أقمار صناعية، ومعلومات توفرها ايران نفسها، بعضها دون قصد. في قسمه المركزي، يفصل الملحق النشاطات في أحد عشر مجالا، تسعة منها تتناول اعمال الشراء والتسليح، واحد يعنى بتجربة تحت أرضية، وواحد يعنى بادراج منشأة التفجير في منظومة اطلاق الصواريخ. باختصار، كل مجالات النشاطات ذات الصلة الموجهة لتحويل المادة المشعة، اليورانيوم المخصب في مستوى عال (HEU)، الى رؤوس متفجرة نووية قابلة للاطلاق، تبحث في هذا التقرير.
ويصف الملحق نمطا ثابتا من التضليل، النشاط السري، استخدام شبكات الشراء الاجنبية، التوريد من مصادر خارجية لمعلومات حيوية تتعلق بالتخطيط، ورفض تسليم المعلومات للوكالة الدولية. ولكن الجوانب الاكثر أهمية في الملحق هي تفاصيل اعمال التطوير والنشاطات المحلية التي تظهر أنه رغم أنه كان لايران على ما يبدو ما يكفي من المعلومات لانتاج
سلاح نووي من مصادر خارجية، فقد عملت بنفسها ايضا على تطوير منظومات أكثر نجاعة، بما في ذلك الاعمال النظرية، التجريبية وكذا التجارب على جوانب مختلفة من تخطيط السلاح.
قسم مشوق من الملحق يتعلق بمزايا تخطيط الرأس المتفجر للصاروخ. وهو يظهر أن التفسير المنطقي الوحيد للمعطيات يشير صراحة الى استخدام السلاح النووي، وليس "مثلا" للسلاح الكيماوي او البيولوجي كرؤوس متفجرة للصواريخ. كما
تجدر الاشارة الى امكانية تنفيذ تجربة نووية تحت أرضية في عمق شديد. اذا ما قررت ايران الانطلاق الى الخارج وانتاج سلاح نووي فيبدو أن هذه ستكون الطريقة التي ستختارها لعرض قدرتها على العالم، وفي نفس الوقت تجربة السلاح نفسه. وهي ستقلد بذلك نشاط معظم الدول التي طورت سلاحا نوويا، بما فيها الهند، الباكستان وكوريا الشمالية والتي كانت خارج دائرة الدول الموقعة على ميثاق عدم نشر السلاح النووي (NPT) واختارت الاعلان عن ذلك بهذه الطريقة.
من زاوية نظر تاريخية، يبدو أنه كان توقف في خطة التسلح في 2003، واستؤنفت بعد ذلك، ولكن أغلب الظن بعد اعادة تنظيم تتضمن تغييرات في أصحاب المناصب، أماكن وتوزيع المسؤوليات، وكانت هذه تقصد اضفاء غموض على الموضوع وقطعه عن النشاطات السابقة.
ما لا ينشره الملحق هو معلومات بالنسبة لتفاصيل عن دور منتجين وصناعيين في دول مختلفة في توريد معدات ومواد ضرورية لتطبيق برنامج تطوير السلاح النووي الايراني. لا ريب أنه دون هذا التوريد ما كان لهذا البرنامج ان يتقدم الى هذه الدرجة. عرض المعلومات من شأنه أن يجعل الموضوع غامضا ويصرف الانتباه عن المشكلة المركزية.
ما لا يقوله التقرير الاساس والملحق صراحة هو أن ايران ضالعة بشكل نشط في تطوير سلاح نووي. بمفهوم معين، هذه لائحة اتهام دون عرض التهمة نفسها، الامر الذي يترك للقارىء استخدام خياله والوصول الى الاستنتاج السليم والوحيد الممكن. المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية السيد أمانو، لا يزال يترك ثغرة ما للايرانيين، ويطلب منهم الرد على "القلق الجدي لدى الوكالة بالنسبة للابعاد العسكرية الممكنة للبرنامج النووي الايراني، وذلك لخلق ثقة دولية في أن البرنامج النووي الايراني يستهدف الاغراض السلمية وحدها". القسم الاخير من هذه الجملة ليس سوى شعارا يتكرر تقريبا منذ التقرير الاول للوكالة عن ايران، ويمكن أن تستخدم كسبيل محترم لهرب ايران في الحالة غير المعقولة التي ترغب فيها في أن تأخذ هذا الطريق. حجم برنامج تطوير السلاح النووي يؤكد ان المخاوف بالنسبة للنوايا الايرانية له أساس ملموس ومستقر. الملحق المفصل جيدا يلقي بعبء البرهان على ايران.
في نفس الوقت يلقي الملحق عبئا ثقيلا على دول العالم ايضا. زعماء كثيرون، غربيون وغيرهم، أعلنوا بان السلاح النووي في يد ايران "ليس واردا". يمكن الضغط على ايران للتخلي عن تطلعاتها بتطوير نووي لاغراض عسكرية: توجد أعمال يمكن عملها قبل أن تتخذ خطوات عسكرية لتحقيق ذلك - عقوبات جد متشددة وحظر.
صحيح حتى الان، لا يبدو أن مجلس الامن هو الهيئة التي سيتوفر الحل لمواضيع من هذا النوع فيها. روسيا، كما يبدو، لا ترغب في العمل ضد ايران، وتفضل استنفاد الخطوات الدبلوماسية (العقيمة). وللصين دور عميق في الاقتصاد الايراني. جرس التحذير قرع. هل الامم الاخرى ستنهض لتواجه التحدي؟



