الى متى نلهث وراء السراب؟!
الكاتب: المحامي زياد ابو زياد
راية نيوز: من العجب ان نستمر في الحديث عن «عملية السلام» او «العملية السياسية» او «المفاوضات» او حتى «السلام» ونحن نوقن وندرك بأن هذه الكلمات قد امتهنت وابتذلت لدرجة انها فقدت معناها واصبحت مجرد كليشيهات خالية من المضمون.
فلا عملية سياسية ولا عملية سلام ولا سلام يوجد على اجندة الطرف الاخر الذي باتت تحكمه ايديولوجية دينية يعمل من خلالها على استغلال الوقت والمماطلة حتى يتمكن من تحقيق خططه.
لقد مضى على هذا الاحتلال قرابة ثلاثة واربعين عاما وهذا يعني ببساطة ان كل فلسطيني دون الخمسين من العمر لا يعرف كيف كانت طبيعة الحياة والعلاقة بين الضفة الغربية (بما في ذلك القدس) وشقها التوأم الضفة الشرقية.
وهؤلاء لا يصدقون اننا كنا نقطع المسافة بين القدس وعمان في اقل من ساعة، وان المرء كان يتغدى في القدس ويتعشى بعمان ثم يعود لينام بالقدس!.
وفي نفس الوقت فان كل اسرائيلي دون الخمسين من العمر لا يعرف اسرائيل بحدود عام 1967 وانما نما وترعرع وهو يعرف اسرائيل بحدود نهر الاردن، وهي المنطقة التي تطلق عليها التوراة اسم «ارض اسرائيل الغربية».
والاسرائيلي الذي نما وترعرع وهو يعرف اسرائيل بحدود نهر الاردن لم ينشأ في حضن الحديث عن الانسحاب الى حدود الرابع من حزيران كما يتغذى وعي كل فلسطيني في عمره، وانما ينمو ويترعرع في ظل عملية تعليمية بالبيت والمدرسة والجيش واليشيفه تؤكد له وتغرس في وعيه ان هذه هي ارض اسرائيل، وان من المحرم «شرعا» التنازل عن اي شبر من ارض اسرائيل للاغيار.
هذا هو الفرق الاساسي بين اجيالنا واجيالهم. ففي حين نعلم الاغلبية الساحقة من ابنائنا بأن قمة ما نطالب به هو دولة في حدود الرابع من حزيران و «حل عادل» لقضية اللاجئين، فانهم يعلمون ابناءهم بان هذه الارض كل الارض من النهر الى البحر هي ارض اسرائيل الغربية، وان الشرقية يجب ان تبقى في الاذهان!.
والاسرائيليون مقتنعون بأنهم يبنون ويعيشون في ارضهم واننا نحن الفلسطينيون «اغيار» غرباء موجودون على ارض اسرائيل بغير حق، وان مالنا هو لهم ولا حق لنا نطالب به ..
في هذا الجو وبهذه المفاهيم ينمو الاستيطان وتنشأ اجيال يهودية جديدة في الاراضي المحتلة مقتنعة بأنها «محررة» ويتم تلقينها يوميا بقدسية هذه الارض واحقية اليهود فيها.
ومن هنا فان من السذاجة الاعتقاد بان اليهود سيقبلون طوعا واختيارا التنازل عن ارض يؤمنون بأنها ارضهم الى اناس يستجدون هذه الارض ويرجون ان تعاد لهم.
لقد قامت اسرائيل في اواخر السبعينات باخلاء مستوطنات سيناء المصرية ولكن هذه العملية كانت تتميز بثلاثة امور: الاول هو الخيار العسكري الذي اثبتته حرب اكتوبر 1973 والثاني هو وجود قائد في اسرائيل جاء من اقصى اليمين وهو مناحيم بيغن لم يستطع احد ان يزاود عليه ناهيك عن ان سيناء ليست جزءا من «ارض» اسرائيل، والثالث هو وجود قائد مصري كان مصرا وبشكل واضح على استعادة كل شبر من الارض المصرية وهو انور السادات الذي رغم كل ما قيل او قد يقال عنه اثبت قدرته بالفعل على استرداد كل شبر من ارض وطنه.
ولقد كانت لتجربة اخلاء مستوطني سيناء نتيجة سلبية على الضفة والقطاع اذ بادر العديد من الاسرائيليين الى الاستيطان في الضفة والقطاع بعد ان رأوا الاموال تتدفق على مستوطني سيناء عند اخلائهم وشعر البعض بأن الاستيطان يمكن ان يكون عملا استثماريا يعود بالربح الوفير عند الاخلاء.
ولكن اخلاء مستوطنات قطاع غزة جاء ليثبت العكس بعد ان ظلت الحكومات الاسرائيلية تماطل في تعويض المستوطنين الذين تم اخلاؤهم من القطاع وتماطل في اعادة تأهيلهم واسكانهم وكأنها تريد ان توصل الرسالة الى مستوطني الضفة الغربية بأن لا تقبلوا بالاخلاء لان مصيركم سيكون الضياع والخسارة.
وبالفعل فان المتطرفين من اليمين الاسرائيلي يشيرون بالتشفي الى من قبلوا الاخلاء من «غوش قطيف» في القطاع ليقولوا لرفاقهم مستوطني الضفة ان لا خيار لكم سوى البقاء.
ورغم موضوع الاستثمار والتعويضات فان هناك نواة صلبة من المستوطنين مقتنعة بحقها كما قلت سابقا وترفض بدوافع دينية ايديولوجية فكرة الاخلاء.
وهذه الفئة تتزايد باستمرار ويمسك بخيوطها عدد من الحاخامين المتطرفين وبرزت من خلالها حركات مثل «شبيبة التلال» تتصدى بعنف لاية محاولة للمساس بهم. واستطاعت هذه الفئة من المستوطنين التغلغل في صفوف الجيش وحرس الحدود والعاملين في ما يسمى بـ «الادارة المدنية» وعلى المعابر.
واصبحنا اليوم في حالة من تعارض المصالح بين فلسطيني يطالب باخلاء المستوطنات وجندي او ضابط اسرائيلي يعيش في هذه المستوطنات ويرى نفسه في موقع المدافع عن بيته واسرته واهله!..
هذه الصورة على الارض تجعل من السذاجة استمرار الحديث عن المفاوضات واستئنافها او عن العملية السياسية او السلمية وتؤكد ان كل ذلك ضرب من الوهم وضياع للوقت طالما ان شقي هذه المعادلة هم طرف يتحدث عن السلام ويتوسل بأن تعاد له الارض ويعد من اجل ذلك الاوراق والملفات وطرف يؤمن بان هذه هي ارضه ويرفض التنازل عنها ويعد من اجل ذلك مخططات فرض حقائق الامر الواقع متمترسا على الارض متخندقا مغيرا معالمها مستعدا لجعل حياة الاغيار جحيما لا يطاق لكي ييئسوا ويرحلوا عنها.
في هذا الوضع علينا ان نكف عن الحديث عن سراب المفاوضات والعملية سياسية كانت او سلمية وان نسأل انفسنا سؤالا جديا واحدا: ما هو الخيار الحقيقي الذي يمكن ان نستخدمه لمواجهة هذا الخصم الذي لن يخلي المستوطنات ولن ينسحب ولن يعيد لنا الارض لمجرد اننا دبلوماسيون ومؤدبون ونحترم قواعد اللعبة الدولية. والخيار الحقيقي الذي امامنا متدرج كقوس قزح وعلينا ان نختار اللون الذي نريد بدلا من استمرار المراوحة في نفس المكان والارض تنهب من تحت اقدامنا واللهاث يكاد يقضي على اخر انفاسنا .



