المصالحة والاستقواء بايران والفعل الشعبي.. ما العمل؟
الكاتب: جهاد حرب
تثير التصريحات والأقوال الاخيرة المتعلقة بالمصالحة سواء التي تنشر في الاعلام و/ أو التي تحكى في الغرف المغلقة تشاؤما لدى القطاعات الشعبية الفلسطينية؛ فالتصريحات على لسان مصادر موثوقة في حماس التي تشير إلى أن قواعدها غير جاهزة للبدء في المصالحة قبل نهاية العام، وكذلك الاحاديث بين قيادات حركة فتح التي تعبر عن عدم اقتناعهم بأن حركة حماس في قطاع غزة، وبعض أقطابها المستفيدين من تجارة الأنفاق، ترغب بالمصالحة أو أنها موجودة على أولوياتها.
(1) قيادة غزة تستقوي بايران
تعبر زيارة السيد محمود الزهار عضو المكتب السياسي لحركة حماس والقيادي البارز المعارض لاتفاق الدوحة، وقبلة السيد اسماعيل هنية رئيس الحكومة في قطاع غزة، لإيران عن حالة الاستقواء بايران ليس فقط في مواجهة فصائل منظمة التحرير وبرنامجها السياسي، بل أيضا داخل حركة حماس نفسها المنشغلة هذه الايام في خلافاتها الداخلية. وهو جزء أيضا من اعادة التوازنات داخل الحركة ما بين الداخل والخارج فيما يتعلق بسلطة اتخاذ القرار داخل الحركة الذي احتكرته قيادة الخارج طوال الفترة السابقة استنادا لقدرتها المالية أو توفير الدعم المالي من الدول الداعمة "ايران بشكل أساسي" والجمعيات أو بعض الميسورين في دول الخليج.
ينبع اختلاف الرؤى هذا من القراءة المختلقة أو الادراك المختلف للتحولات الاقليمية؛ بحيث ترى قيادة الخارج أن حركة حماس فقدت الحليف السوري، كما أنها لا تستطيع أن تقف في المعسكر الشيعي في ظل الاصطفاف السني/ الشيعي، وأن انجاح تجربة حركة الاخوان المسلمين في الحكم بعد الربيع العربي واندماجها في السياسة الدولية يتطلب التوافق مع المتطلبات الدولية. فيما ترى قيادة غزة أن السيطرة على القطاع تمنحها القوة، وأن نجاح الاخوان المسلمين في مصر عنصر قوة يمكن استغلاله في مواجهة الاطراف الفلسطينية الأخرى في فك الحصار من خلال معبر رفح ممرا دوليا للقطاع.
وفي نفس الوقت يرى تيار قطاع غزة أن قيادة الخارج لن تدفع ثمن المصالحة، بل ستتعزز مكانته على المستوى العربي وربما الدولي على حسابها، فيما قيادة حماس في قطاع غزة وعناصرها ستدفع ثمن المصالحة بذهاب بعض امتيازاتها التي حصلت عليها اثناء حكمها، كما سيتم على الأغلب اعدام الدجاجة التي تبيض ذهبا "تجارة الانفاق" لبعض المتنفذين في قطاع غزة في حال انتهاء الحصار أو تخفيفه.
(2) أي فعل شعبي نريد
حالة اللامبالاة التي تطغى على ردة الفعل الشعبية ربما تعبر عن احباط لدى القطاعات الشعبية من مسيرة المصالحة التي طالت. وأصبح يطلق عليها عملية المصالحة كناية بعملية السلام أي التركيز على الاجراءات وادارة العملية "process" وليس على مضامين العملية أي المصالحة بحد ذاتها. فجولات التباحث والمفاوضات الرسمية لم تنقطع من العام 2009 من القاهرة الى دمشق وبيروت واسطنبول، وقد جابت الوفود غير الرسمية عواصم اوروبا دون الوقف في المحطة الواجبة "فلسطين".
سألني الصديق أحمد حماد مقدم برنامج ساعة في الاذاعة الذي يبث عبر "إذاعة صوت السلام" هل أنا متفاؤل "وهو سؤال متكرر في الأيام الأخيرة في وسائل الاعلام" في ظل الاحباط واللامبالاة الشعبية ازاء المصالحة وممارسات الاحتلال. أجبته تلقائيا بنعم بقدرة شعبنا، وهو اعتقاد راسخ لإيماني بأن ارادة الشعوب قاهرة الظروف. وأعتقد جازما هنا أن التعبير الأدق هو قول الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي (إذا الشعب يوما أراد الحياة ... فلا بدّ أن يستجيب القدر. ولا بد لليل أن ينجلي ... ولا بد للقيد أن ينكســر). وأن ظاهر اللامبالاة لدى شعبنا هو جزء من حالة الغليان تحت صفيح البركان القابل للانفجار في اللحظة التاريخية المواتية، فالتراكم الكمي حتما يؤدي إلى تحول نوعي.
يقول الماركسيون القدماء إن السؤال المحوري والتاريخي هو ما العمل، وباعتقادي أن الشعب الفلسطيني وقطاعاته المختلفة أمام خيارين اساسيين للفعل لإنهاء الإنقسام هما: إما الارتكان والارتهان إلى اللقاءات الشهرية لقيادة الفصائل إلى أن "يقضى الله أمرا كان مقضيا" بعودة مفاوضي المصالحة فاتحين منتصرين. أو القيام بفعل شعبي وعدم الاستكانة وأخذ المبادرة بتطوير ادوات الفعل الفلسطيني الشعبي في مواجهة الانقسام، وربما مغزى الحراك الشبابي أو ما يعرف بالخامس عشر من آذار/مارس ينبغي أن يكون حاضرا بعد اكتمال عامه الأول على انطلاقه "بغض النظر عن قصوره"، وربما الاقتداء بحركة الشعوب العربية باحتلال ساحات العواصم وميادينها سلميا ليس لساعات بل للمرابطة فيها "على غرار ميدان التحرير في مصر، وشارع الحبيب بورقيبة في تونس، وساحة التغيير في صنعاء" لزوال الانقسام، مما يعيد للربيع العربي بريقه السلمي، ويعد لشعبنا رونقه ويمنحه القوة فيما للتفرغ لمقارعة الاحتلال في كافة الميادين. واعتقد أن شعارنا الآن هو "طريقنا لإنهاء الإحتلال يمر عبر وحدة الضفة وغزة".
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



