إسرائيل العربية تماما
الكاتب: نائل بلعاوي
من رحم واحد، تختلف القليل من مظاهره الخارجية وتتفق، بصورة لافتة، مكوناته الداخلية، ولدت الأنظمة العربية المستبدة أواسط القرن المنصرم وولدت إسرائيل كذلك، ولادة تشبه الأخرى وتماثلها عنفاَ وقسوة، وتجليات لا تختلف عن بعضها البعض إلا بذلك القدر البسيط من الاختلاف الطبيعي بين مولود وآخر .. بين لغة المولود العبري ومفرداته ولغة العربي ومفرداته الأوسع، مفردات الوليد الذي جاء من سديم ما ليحتل الأرض ويغتصب الحيوات، ومفردات الأنظمة الوضيعة التي تسلقت أكتاف شعوبها وانتهكت مصائرهم وتناغمت، تالياَ، مع لا شرعية الوليد المحتل ومنطقه السطحي .
المفردات هي عينها المفردات، والسياسات هي السياسات عينها أيضاَ، صنعت إسرائيل لنفسها، بداية، حزمة من الأساطير والخرافات العرقية والتاريخية المفتعلة وشيدتً بها هذه القوقعة الصغيرة التي تُدعى – دولة عبرية - موصوفة بالديمقراطية ! كذلك فعلت الأنظمة العربية التي ولدت في ذات المرحلة تقريباَ، فقد أوجدت هي الأخرى حزمتها الأسطورية الخاصة ومبررات تسيدًها، - أوهام وطنية رخيصة – تستفيد من حاجة الناس الجمعية لأحاسيس الكرامة التي سقطت أمام العدو الجديد الذي انتصر في المواجهة الأولى 1948، وكانت هذه الأحاسيس الجمعية بالمهانة قد ترسخت فعلياَ قبل ظهور إسرائيل بكثير، في ظل الاحتلال العثماني، ثم البريطاني والفرنسي للبلدان العربية، فجاءت – الأنظمة الوطنية – لتسترد ( دفعة واحدة ) ما هدر من كرامات وطنية وعبر وصفة سحرية تمثلت بخلق الكذبة العربية الأكبر والأوقح، كذبة المواجهة مع إسرائيل!، ليس هذا فحسب، فقد وصفت الأنظمة المستبدة نفسها ( تناغماَ مع الوصف الإسرائيلي ) بالديمقراطية!، يبدو الوصف مضحكاَ بقدر طاقته على إثارة الغضب، إذ لم تعرف الشعوب العربية عبر ديمقراطياتها الوطنية سوى القمع ومصادرة الحريات والثروات وسياسات تعميم الأمية وتمجيد الجهل وأسباب التخلف، وهي ذات النتائج - الديمقراطية الإسرائيلية - عند مقاربتها فلسطينياَ، فهناك تقمع إسرائيل وتضطهد ولا تكف، في آن، عن وضع نفسها في عداد الدول الديمقراطية الغربية، متناسية حقيقة أن وجودها أصلا هو فعل غير ديمقراطي بالمطلق (اغتصاب مصائر الآخر وسلبه حرياته الطبيعية )، وأن ما تتغنى به من مظاهر ديمقراطية داخلية، هي مظاهر، وبحسب عديد كتابها وخبراء خباياها، ليست بالصحيحة تماما ولا هي بالديمقراطية الخالصة ( سياسات التمييز العنصري ضد الفلسطينيين الذين يعيشون تحت إدارتها في الجزء المسمى مناطق 48، وسياسات تميزية أخرى ضد المجموعات اليهودية القادمة من آسيا وإفريقيا، السفارديم بشكل عام، وغير ذلك من سياقات رسمية بعيدة كل البعد عن المعنى الديمقراطي الحقيقي التي تحولت إسرائيل، بموجبها، إلى مجموعة من الجزر الإثنية المحكومة كما تصفها الكاتبة الإسرائيلية 'انجليكا شروبسدورفر' عبر ثلة من الاشكناز الذين يتمتعون بخيراتها الاقتصادية والثقافية البعيدة عن متناول أبناء الجزر الأخرى!؟.
هكذا يكون التمييز بمعناه الصارم والفعلي هو النمط المركزي الذي اعتمدته إسرائيل سياسة وتطبيقاَ، وهو ذات النمط المعتمد رسمياَ عند الأنظمة العربية الحاكمة، فقد صنعت الأخيرة أنماط حكمها بالانسجام الكامل مع مصالح طبقة محددة ( اجتماعية، اقتصادية، أو مذهبية ) وألقت عليها ثوب الحماية والرعاية، في وقت أهملت معه كافة الشرائح الاجتماعية الأخرى وقمعت ودمرت ركائز وجودها( قامت إسرائيل أيضا بخلق هوة اقتصادية وتعليمية شاسعة بين يهودها الاشكناز والسفارديم، إلى جانب تدميرها المتعمد والمنتظم للبنى التحتية الفلسطينية داخل الخط الأخضر، ناهيك عن الدمار الشامل الذي حققته في الشطر الثاني من ذلك الخط الهلامي ).
تتعدد أوجه الشبه بين إسرائيل والأنظمة العربية الحاكمة لتصل حد التطابق المدهش أحيانا فالمرجعيات التي تبرر إسرائيل عبرها وجودها وسياساتها هي المرجعيات عينها.. أنها الرديف الفوري لمرجعيات الأنظمة العربية السائدة :- الخرافة وأوهام المقدس والدولة الوطنية المزعومة - التي ستجتمع لتنتج معاَ هذه الحركات الدينية المتطرفة، نقيضة كل أشكال الحضارة وقوانين التطور، في إسرائيل أو في العالم العربي على السواء !.
تشبه إسرائيل، مرة أخرى، جيرانها القتلة وتحذو حذوهم، تراقصهم رقصة الشياطين، تستفيد إلى المدى الأبعد من وجودهم، ويستفيدون بدورهم من وجودها ويجعلون منه أيقونة وتعويذة للفتك بشعوبهم، فحين تتشابه أنظمة القمع، وهي متشابهة البنى بالضرورة، لا بد وأن تمتص روح التعاويذ الشيطانية ذاتها .. ولا بد وأن تخلق الأوضاع والمظالم عينها... ولكنها، انسجاماَ مع منطق الحياة وحاجات الناس وتوقهم الفطري لحرياتهم الآسرة، لا بد وأن تنتهي النهاية عينها... النهاية القادمة لجميع هذه الأنظمة المستبدة، وعلى رأسها إسرائيل عربية الصفات ومظاهر الاستبداد أيضا.



