السلطة الخادمة
الكاتب: رأي الراية
مع تطور البشرية تطور العقل في ادارة الشأن العام وحياة الناس، وأبرز مؤسسات ادارة شؤون الناس ومصالهم تتمثل في الحكم بكافة أشكاله من الديني للمدني، ومن الديمقراطي حتى الاستبدادي الشمولي، في انظمة متعددة تبدأ من ادارة الأسرة حتى ادارة الامبراطورية أو ادارة العالم من خلال منظومة العولمة.
ادارة الحكم مسألة تطورت من الحاكم الالهي الذي يستمد سلطته من السماء في أغلب الاديان بشكل فوقي يعلو الرعية، التي عليها أن تقدسه وتأتمر بإشارة من أحد أصابع يده، فكل ما لديها ملك له، وجميع الناس هم خدم في ملكه ومن يرثه من نسله جيلا بعد جيل.
هذه المرحلة استمرت لتمر البشرية بمرحلة أصبح فيها الحاكم يستمد شرعيته من عقد اجتماعي مع الشعب، حتى وصلنا لأحدث مفاهيم السلطة التي تعني أن الحاكم موظف أو خادم للمجتمع، ضمن عقد سياسي اداري يتم عبر عملية الانتخاب تخضع فيها السلطة التنفيذية لرقابة ممثلي الشعب المتربصين بها في البرلمان بالاستجواب والمسألة، وعندما تتجاوز السلطة التنفيذية التي تملك السلطة المباشرة على المجتمع و ممتلكاته العامة تقع تحت سيف القضاء النزيه الذي يقتص من المخطئ ضمن عملية ادارية متكاملة ومتناسقة تعمل لخدمة الفرد الذي يسمى ضمن هذه المنظومة "المواطن" وهو طبعا عليه واجبات وله حقوق.
مفهوم السلطة الخادمة معناه ببساطة أنني اختار المسؤول من رئيس الدولة حتى رئيس جمعية أولياء أمور التلاميذ، مرورا برئيس البلدية كي يخدم المواطنين بعقله الراجح، وعلمه الواسع ولا مانع أن يكون متخصص في مجال مسؤوليته، وأمانته تخضع لرقابة كاملة ومتواصلة، ويحصل هذا المسؤول على مجموعة من الامتيازات من البيت للسيارة وفاتورة الهاتف النقال كي يصل مكتبه في الوزارة او البلدية او الجامعة أو المستشفى ليسخر كل امكانياته من الدقيقة الأولى لخدمة مجموع المواطنين ضمن قوانين روحها حماية الانسان وسعادته، فان أفلح ونجح تجدد عقده مع المواطنين حتى يستكمل مدة يسمح بها القانون، ليصل في الختام لمرحلة التكريم تقديرا لإسهاماته ويحصل على ما يسمح له ماديا ومعنويا أن يعيش كريما يخدمه مسؤول آخر يراكم على ما بناه.
السلطة الخادمة هي ما نراه لدى الدول المتقدمة حيث تجعل الوزير يمارس رياضة ركوب الدراجة صباحا في مدينته بين المواطنين، كل واحد له دور من الاسكافي وعامل النظافة حتى المعلم ورئيس الحكومة في تكامل إنساني جميل.
اننا كفلسطينيين نستحق هذا الشكل من السلطة والادارة كي نحصل على دولة وهذا الامر طبعا لا يمكن ان ننال عليه شهادة تزكية من المؤسسات الدولية، بل من خلال شهادة أي مواطن فلسطيني.
الدولة الفلسطينية الموعدة يجب أن نؤسس لها من الآن وفق نظرية الدولة الخادمة ونضع لبنتها في هذا الاتجاه.. وإلا سيكون الاستقلال بدون قيمة كم نرى في محيطنا العربي، استقلال حدث قبل عشرات السنوات وأفرز سلطات لا تختلف كثيرا عن الاستعمار، وواقع عنوانه الجهل والبطالة والظلم مما استحق ثورات، من الحكمة أن نبدأ من حيث انتهى الاخرون الناجحون لا أن نبدأ من الصفر مكررين تجارب ثبت فشلها.



