هل انتهى دور الشباب؟
الكاتب: الدكتور عاطف أبو سيف
عن جريدة الأيام
مرّ أكثر من عام على المسيرات الغاضبة التي انطلقت في شوارع مدينة غزة تطالب بانهاء الانقسام. كان ذلك في 15 آذار من العام الماضي، وكان في ذلك الوقت الشباب في الكثير من العواصم العربية يخرجون للشوارع غاضبين مطالبين بإسقاط الأنظمة. ولأن النظام الأكثر فساداً وأثراً على الحياة السياسية الفلسطينية هو الانقسام، فإن الغضب الفلسطيني والربيع الفلسطيني اتجه نحو العمل على إنهاء الانقسام . كانت بدايات العام الماضي 2011 حبلى بالمفاجآت العميقة في هيكل النظام السياسي العربي واللاعبين فيه ولم يكن أحد ليجرؤ بنسب هذا التغير سوى للشباب الذين خرجوا للميادين العامة بصدور عارية لا غاية لهم إلا أن يرحل الطغاة. ورحل بعضهم.
في فلسطين كان الانقسام ولم تزل الندبة السوداء في الوجه الفلسطيني تشوه معالم الحياة وتسيء لسمعة النضال الوطني. لأكثر من شهرين كان الشباب مندفعين بانجازات الشباب في الأقطار العربية يخططون ويفكرون يريدون أن يشكلوا ضغطاً شعبياً لتعرية الانقسام والضغط على السلطات الحاكمة من أجل التسريع في إنهاء الانقسام. كانت الفكرة نبيلة والمشاعر جياشة وهم يسهرون الليل يربطون ظلامه بنور الصباح يحلمون بأن غايتهم البسيطة وآمالهم المتواضعة لابد أن تتحقق. كان ثمة إيمان راسخ بإمكانية حدوث ذلك. وظلت جذوة الأمل تتقد في صدورهم بأن التغير ممكن وأن ما حدث في البلدان العربية المجاورة يمكن أن يحدث في فلسطين، وان ينتهي الانقسام وترجع اللحمة إلى الشعب ومؤسساته وتتوحد غايات الشعب الفلسطيني.
كانت الملهاة الفلسطينية مؤلمة، وكان الوضع يثير السخرية، حيث إن هذا الانقسام بات تعويذة بحاجة لساحر بارع تتفتق قريحته عن معجزات ومواهب غير مسبوقة. وكان يعتقد بأنه يمكن للشعب أن يستدعوا الساحر وأن يستحضروا الأرواح اللازمة لتساعده. كانت الصورة القادمة من كل مكان تقول إن ذلك ممكن وأن المستحيل هو اللاشيء وأن الإرادة وقوة الجماهير وروح الشباب يمكن لها أن تحدث التغير حقاً. كان شباب فلسطين وقتها يحلمون وكان وقت الحلم ممكناً وكانت الحاجة للحلم ماسة وملحة ولم يكن بمقدورهم أن يفوتوا الفرصة التي هبت رياحها في كل النواحي والبقاع.
لم يكن هذا كثيراً، كما لم يكن مستحيلاً. إلا أن ما حدث اعاق هذا الدور الريادي للشباب في عملية التغير والتطوير الوطني إذ تم اجهاض هذا الدور. بدأ الأمر بقمع تحركات الشباب في ميدان الجندي المجهول والكتيبة وملاحقة النشطاء منهم. ورغم الزخمة الذي اعطته هذه المسيرات لجهود إنهاء الإنقسام ودقها ناقوس الخطر إلا أن أنها لم تستمر بشكل فعلي ومتواصل في اللحظات التي ماتت فيها جهود المصالحة. ولم تتوقف ملاحقة النشطاء منهم وتم حظر أي نشاط شبابي يقومون به، وبكلمة أخرى أصبحوا معادين للوضع القائم وكانه كان يجب عليهم أن يكونوا أصدقاءً للانقسام. ومر عام وبات الأمر ذكرى جميلة يتم استحضارها بحنين وشغف للماضي!! الله يرحم ايام زمان.
عربياً لم يكن الامر مختلفاً. حمل الشباب في ميدان التحرير شعلة الثورة وخططوا لها بأفكارهم البسيطة لكن الخارجة من رحم معاناة المواطنين ونجحوا في اسقاط النظام وتبديل الامور. لكن بديل ذلك لم يكن قدوم التغير الحقيقي إذ قفزت التنظيمات والأحزاب السياسية التي هيمنت على مشهد الحكم/المعارضة لقرابة قرن على صهوة الجواد، وصارت هي لسان حال الثورة والمعبرة عن تطلعات الناس. بل إنها صارت تعتبر الثورة من انجازاتها وتوارى في العتمة الشباب وصاروا مجرد فاعل بسيط في ماكينة تروسها الكبرى من الأحزاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. حتى ان هؤلاء الشباب لم يكن لهم دور في تقرير مصير أحزابهم التي قفزت على صهوة جواد الثورة. الأمر لا يختلف كثيراً في اليمن التي تحول النجاح فيها إلى نجاح مسلح وتبديل جميل داخل صفوف النخبة الحاكمة. ورغم الانتقال في الحكم من على عبد الله صالح إلى نائبه والعمل على تفعيل المشاركة السياسية إلا أن الوصول إلى الديمقراطية لم يتم وهو في طور التشكيل. في هذه الصورة لم يكن للشباب دور أبعد من الخطاب البلاغي والثناء اللفظي لهذا الدور الهام. وكعناق الدببة فإن هذا الثناء وهذا الامتنان والحب لدور الشباب كان يقصد خنقه والاجهاز عليه وهو ما تم فعلاً وإن بصور مختلفة.
لم يكن أحد يطلب أن يصبح رئيس الجمهورية في البلدان التي تم فيها الاطاحة بالنظام شاباً في العشرين من عمره رغم أن الاسكندر المقدوني غزا العالم دفاعاً راية اليونان وهو في ذلك السن، كما لم يكن أحد يريد أن تكون برلمانات الدول التي حدث فيها التحول كلها من الشباب. في المقابل فإن تمثيل الشباب في المجتمعات السياسية ما بعد الثورة لم يكن بالشكل الذي يعبر عن حجم اسهاماتهم في إحداث التغير وفي دفع الثمن. بل إن أباطرة المشهد السياسي لم يتغيروا كثيراً بل تبدلت الأدوار وصارت ثمة أغلبية تمارس دور الطغاة في انتهاك لأبسط مفاهيم العمل الديمقراطي.
هل انتهى عصر الشباب؟ لو ترك الأمر هكذا فإن هذا الدور سيكون من أشياء الماضي وأن الحلقة المفرغة التي تدور فيها الأحداث لن تنتهي. وهذا منوط أكثر بالشباب وبضرورة استعادة هذا الدور المفقود والعمل على استعادة زمام المبادرة والخروج للشارع فهو الجيل الذي يقع على عاتقه حماية المستقبل لأنهم الأكثر تضرراً من سوداوية هذا المستقبل. فهو يخصهم وحدهم وهم من سيعيشون فيه وهم من سيكتوون باخطاء الحاضر. لذا فإن الدور المفقود أو هذا الذي ضاع في زحمة الاحداث يجب أن تعاد له هيبته. فثمة طغاة في كل مكان لا يريدون التغير ولا يريدون أن يتنازلوا عن الامتيازات التي وهبتهم إياها اللحظة الراهنة، وهم المتضررون من أي تبديل في شروط الواقع. وثمة فلول من كل نوع يدافعون عن مكتسباتهم سواء السلطوية أو الحزبية والتنظيمية لا يمكن لهم أن يسلموا بهذا الدور الذي تفرضه سنة الحياة وحكمة التاريخ، ومن لا يتعلم من التاريخ لا يمكن له أن يصنع مستقبلاً أفضل، وهم لا يريدون المستقبل، والشباب يريدون.



