الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:37 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:23 PM
المغرب 7:27 PM
العشاء 8:49 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

أما آن للشهيد أن يتحول من رقم إلى اسم؟!

الكاتب: رأي الراية


بينما تسلم إسرائيل عائلات شهدائنا عشرات الرفات لأبنائها الذين قبعوا فيما تسمى مقابر الأرقام الكائنة في غور الأردن، وما أن أعلن عن أسماء أصحاب هذه الرفات، حتى سارعت ذاكرتنا إلى استذكار أمجاد هؤلاء الشهداء وتتبع سيرتهم النضالية من جديد، كما لو أنهم استشهدوا اليوم..... ولكن في خضم اللحظة الحارة لانتظار تلك العائلات لرفات شهداء سئمت الرقم، يستوقفني مليا مصطلح "رقم" أو "أرقام"، والتي لإسرائيل غاية من ورائها، حيث الغياب ل"أنسنة" قصة هذا الشهيد الذي سقط أمس، أو الذي سيكون غدا.

معركتنا مع الاحتلال منذ تاريخ وجوده لم تقتصر على السيطرة على الأرض، بل وكذلك السيطرة على العقل والمفردات أيضا، فغير اسم المكان، حتى أننا بتنا نستخدم مفردات لاحتلال ونسينا مفرداتنا ومصطلحاتنا.... مفردات ذات دلالة سلبية لقضيتنا الوطنية وخادمة للصورة النمطية التي يخلقها الاحتلال لدى الرأي العام الدولي عن القضية الفلسطينية  مع مرور الزمن.



سُجل لانتفاضة الشعب الفلسطيني الأولى التي كانت شعبية بامتياز قبل نحو أربع وعشرين عاما، أن المجتمع المحلي تعامل مع الشهيد اسما وعمرا وقصة، ولم يتعامل معه رقما منسيا، رغم أن ما تناقلته ألسنتنا من شخص لشخص آنذاك بالإضافة لعدد من الصحف المحلية هي ما كانت بمثابة وسائل الإعلام الوحيدة التي تنقل أحداث الانتفاضة... ومرت السنوات وانتهت تلك الانتفاضة مع تأسيس السلطة الوطنية في عام 1994 لتشتد معركة المصطلحات بين الفلسطينيين قادة وشعبا من ناحية وإسرائيل من ناحية أخرى، على سبيل المثال، أن نقول " فلسطين" أم " الأراضي الفلسطينية"، وهلم جرى من حرب المصطلحات.

وجاءت انتفاضة الأقصى والتي كان طابعها في الأشهر الأولى شعبية، حيث تعاطى الإعلام المحلي والعربي وحتى المجتمع المحلي مع الشهداء بالأسماء والعمر وقصة استشهادهم بالتفصيل، في الوهلة الأولى، ولعلنا نستذكر "قصة مات الولد"- الشهيد محمد الدرة، وإيمان حجو، وفارس عودة، وكيف تعاملنا وتفاعلنا نحن أبناء جلدتهم وحتى العالم مع قصة استشهادهم..... بيد أنه مع تحول الانتفاضة الأخيرة لمسلحة تراجع للأسف التعاطي مع الشهيد كاسم وكإنسان، وأصبح التعامل معه رقما، ولعل الجانب الإعلامي والرسمي والفصائل والمؤسسات الوطنية تتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية في تكريس ذلك بشكل سلبي. وانتصر المحتل في تمرير هذا التعامل مع شهدائنا من خلال قتل اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين حتى لا نجد متسعا من الوقت للحديث عن الشهيد وقصته واسمه وعمره.

واستمر هذا التعامل على هذا المنوال حتى اللحظة، وإعلامنا المحلي ليس بمنأى عن ذلك، كأن يقول ذلك الخبر المكتوب أو المتلفز أو المذاع :" استشهاد مواطنين برصاص الاحتلال في قطاع غزة"... ألا يدرك من يذيع أو يكتب هذا الخبر أن هذا الشهيد إنسان؟؟.!! وأن من واجبه التعامل معه على هذا النحو... لا أن يذكره رقما عابرا؟؟!!

وإسرائيل تسجل انتصارا بامتياز في معركة المصطلحات والمفاهيم ولطالما تفوقت علينا فيها، وهي واعية جدا للمصطلح ودلالاته فيما نحن لا نعير له اهتماما ونستخف ونستهين به، كوسيلة من وسائل المعركة معه، ليأتي "الأخ أبو العريف" ويقول مستهترا: "هية وقفت عالمصطلح.. طب ما إحنا عارفين الصح"..فهذا المستهتر لا يدرك جيدا أن حرب المصطلحات مهمة جدا على الصعيد الداخلي وللأجيال القادمة بل هي مرتكزات معركة الفيصل، حتى يبقى المصطلح الصحيح في القلب السليم، وأن هذه المفردة مهمة أيضا في المحافل الدولية وفي تعريف العالم بأحقيتنا بالمصطلح والمكان أيضا.

لا أحد ينسى أن تلك العبارة الانجليزية في إحدى اتفاقيات السلام بيننا وإسرائيل، جعلت مفاوضنا يخطئ في فهم عبارة "Arab land" ويظن مخطئا أنها نفس معنى ل"The Arab Land"، فخدمت ذلك المفاوض الإسرائيلي الذي كان محنكا بقواعد اللغة الانجليزية ومصطلحاتها، بأن هذه العبارة الانجليزية بدون "أل التعريف" لم تجبره بالانسحاب من كامل الأراضي التي احتلت عام 1967..... حقا، كم برعنا في الاستهانة قادة وشعبا بأهمية المصطلح وقواعد الكلم ودلالاته سواء كان ذلك التعبير عربيا أم انجليزيا أم غير ذلك.

وضمن تكريس إسرائيل لثقافتها في المصطلحات بما يخدمها ويضعف قضايانا الرئيسية والفرعية، يدخل في إطار ذلك وضع المحتل لجثامين ورفات الشهداء في مقابر أسماها "مقابر الأرقام" وقام بترقيم الشهداء وليس تسميتهم... فهذا الشهيد يحمل رقم "500" وذاك "501" وكذلك الآخرون.... لا لأنه يجهل أسماءهم وإنما محاولة منه لتقزيم شهدائنا.... فخلف الرقم.... هناك اسم... وهناك قصة.... وهناك ألف كلمة.


ومن هنا، علينا جميعا أن نجيد معركة المصطلحات كما يجيدها الاحتلال ويعرف أبعادها، ولعل الإفراج عن رفات شهداء ما تسمى "مقابر الأرقام" في هذا الوقت، يحتم علينا أن نتصدى لفكرة أن الشهيد عبارة عن رقم... لا بل هو إنسان وله قصته الإنسانية التي تدعونا كإعلاميين بشكل خاص وفلسطينيين عموما أن نتوقف مليا عنده وأن نعطيه حقه على الأقل بذكر اسمه، لا غير.... وهل كان علينا أن نسمع تلك الرفات المرقمة تنطق، قائلة: "أما آن لنا أن نتحول من رقم إلى اسم؟؟!!"..... حتى نستجيب لهذا النداء!.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...