الكاتب: صادق الشافعي
رام الله-شبكة راية الإعلامية:
|
في الزمن الأول، منذ بضع سنين كنت قد رأيت شمس الوطن وزهوها رأي العين. في ذلك الزمن تسرب دفء شمس الوطن الى خلايا الروح مني قبل الجسد، ونفحت حرارتها في برودة المشاعر وتلافيف الوعي قبل مفاصل الجسد. في ذلك الزمن كان نور شمس الوطن يشع طرياً وحنوناً في تفتح أزهار اللوز البيضاء وأزهار أخواتها من اللوزيات بتوشيحات الألوان الزاهية، نقية وطاهرة، كما طهارة تفتح المفاتن في جسد صبية وهي تتحول من طفلة إلى "كاعب"، وتدخل عالم الأنوثة والنضج. وكلاهما يظهر من المفاتن الربانية ما يدخل إلى النفس البهجة والسرور ومعها اليقين باستمرار العطاء واستمرار الحياة. في ذلك الزمن، شاهدت نتائج تناغم شمس بلادي مع أرضها ومطرها في تلك السجادة المزخرفة، بيد إلهية قادرة ومباركة، بكل أنواع الحنّون والبابونج والزعتر والزهر البري، والحاملة لكل ألوان الطيف تفترش كل سهول وجبال وأراضي بلادي في لوحة طبيعية لا أجمل ولا أبهى. في ذلك الزمن تعرفت الى الأجيال الجديدة من شباب وصبايا الأهل وبعض البلد، والتقيت بأصدقاء كثر توطدت بهم العلاقة في منافي عديدة وأعاد الوطن جمع شملنا. في ذلك الزمن زرت بلادي وأخذت من أهلها وصمودهم ومن أرضها وتاريخها وبطولاتها وأمجادها، ومن شمسها، زاداً للروح ويقيناً بالأمل وشحناً للإرادة. وربما كان هذا ما حافظ لي على بقية من قدرة وحيوية. نعم أقول (زرت بلادي) ما دامت العودة لها والاستقرار فيها أملاً قائماً بانتظار التحقق. في هذا الزمن ومنذ أواخر ربيع هذا العام وأنا أخطط للعودة مرة أخرى (لزيارة بلادي). ليس وحدي هذه المرة، ولكن بصحبة كل أولادي الذين باعد الزمن بينهم وبين الوطن لسنوات واكتمل نضجهم خارجه وعزموا على إعادة الوصل معه ومع الأهل على أساس متين من رسوخ الانتماء، وقوة استمراره. كان التخطيط الجماعي أن نلم شمل أسرتنا بعد أن تفرقت، كما حال معظم الأسر الفلسطينية، على أكثر من بلد، في حضن الوطن وفي حضن العائلة الكبيرة وأهل الوطن عموماً. كان ذلك بالنسبة لي شكلاً حميمياً من أشكال تعاقب الأجيال وتواصلها في رحاب الوطن وعلى ارضه والانتماء له، وكان أيضاً فرصة لتلاقي وتواصل الأجيال الجديدة والشابة من العائلة وقام التخطيط على وعد أثق في صدقه بتأمين تصريح زيارة. كان لدي شوق جامح لمعايشة لحظات اتصال أولادي وقد شبُوا بالوطن والأهل. ومع كل ما لدي من معرفة بشوقهم للوطن والأهل وجاهزيتهم للاندماج بكليتهم فيه، وما لدي من ثقة أن الوطن سيحتضنهم ويستوعبهم مع الأهل، فقد كنت أتوق بشدة أن أكون موجوداً أرقب وأعيش تلك اللحظات، واستمتع بها. وكنت فوق ذلك أخطط لأجول معهم على اكثر من بلد وقرية في حدود ما يسمح به تصريح الزيارة، وان اعرفهم على كل الأهل وعلى الكثير من الأصدقاء والمعارف، وان أدمجهم في عادات وتقاليد وأعراف الأهل قدر المستطاع، ولأستعرض عليهم معرفتي بالبلد، الزائدة عن معرفتهم بحكم العمر، وأقودهم لزيارة أماكن ومحلات أثيرة عندي لها في نفسي ذكريات لا تزال حية وعفية. كنت امني النفس أن أعيش مرة أخرى رؤية شمس الوطن وهي في هذا الوقت تشخص في علياء زهوها واكتمال قوتها ونضجها، واستمتع بتجليها في اكتمال نضج العنب والتين والصبر والبطيخ وغيرها من خيرات بلادي. وكنت واثقاً أن فرحي سيكون أضعافاً مضاعفة أنا برفقة أحبة في مقتبل العمر يمثلون الاستمرارية والتواصل ويحفظون شعلة الأمل. لكن هذا التخطيط لم يكتمل، فلم تنجح المحاولات الجادة والصادقة في استصدار تصريح زيارتي. وتابع الأحبة الأولاد بدوني. لا مجال للمكابرة والادعاء بانتفاء الخيبة ومعها الغصة. لكن ما خفف كثيراً من وقعهما وحافظ على نسبة عالية من الارتياح وربما الابتهاج، هي روح الرضا والاستمتاع والحماس تتقافز فرحة بين كلمات الأولاد وهم يحدثونني هاتفياً عن تجربه التقائهم بالوطن وبالأهل وما يحسون به من متعة اللقاء وما يستشعرونه من راحة عميقة انهم في مكانهم الطبيعي. صحيح أنني لم أتمكن من رؤية شمس الوطن رأي العين كما في ذلك الزمان منذ بضعة سنين، لكنني استطيع الادعاء أنني رأيتها وأراها بعيون أولادي. وقد يكون في ذلك بعد أوسع كثيراً من حدود الأماني والرغبات الذاتية والفرح الشخصي يصل الى حدود الانتماء الراسخ للوطن وأهله واستمرار التواصل معه أينما كانت مواقع العيش وكيفما كانت متطلبات الرزق وظروف الحياة. أما بالنسبة لمن لم يبق لديهم من العمر كثير بقية ويبتعدون عن خط بداية العمر مقتربين من خط نهايته، فلا يصلح في أحوالهم إلا القول الحكيم لأهلنا "ما بتردهم إلا بلادهم". فلا ناس أبرَّ بهم من أهلهم، ولا أرض أرحم وأطهر من أرض وطنهم يقضون عليها بكرامة ما تبقى لهم من عمر ثم تحتضن أجسادهم.
|
|
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.