ما الذي يخيف إسرائيل من استعادة المسلمين لأوقافهم
الكاتب: الشيخ ابراهيم صرصور
راية نيوز: قلنا سابقا أن إسرائيل سعت من اجل تعزيز وجودها في العام 1948 إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية... أولها تفريغ الأرض من أهلها الشرعيين ، وقد تحقق لها ذلك في نكبة فلسطين ، وثانيها مصادرة الأرض ووضعها تحت تصرف الدولة أو وكلائها وقد كان لها ذلك حيث لم يبق تحت يد الأقلية العربية الفلسطينية في الداخل أكثر من 3% فقط من الأراضي بعد أن ملكوا 97% في العام 1948 ، وثالثها إزالة هوية الأرض من خلال هدم كل معلم يدل على عروبتها وإسلاميتها ، وهنا يأتي دور الأوقاف الإسلامية والمسيحية بكل أشكالها وأنواعها ، كشاهدِ عدلٍ تحاول إسرائيل إسكاته بكل الطرق الممكنة ...
من هنا جاء القرار الإسرائيلي بمصادرة كل الأوقاف الإسلامية مباشرة بعد قيام الدولة، ولم يبق منها في يد المسلمين إلا القليل... وحتى تغطي على جريمتها كان لا بد من سن قانون خاص لا مثيل له في أية دولة في العالم وهو قانون ( أملاك الغائبين ) لسنة 1951 ، والذي اعتبر كل الأوقاف أملاك غائبين بحجة أنها كانت تحت تصرف ( المجلس الإسلامي الأعلى ) الفلسطيني عشية النكبة ، والذي حُلَّ بسبب الحرب وهاجر أعضاؤه إلى خارج فلسطين ، متجاهلة أن ( الوقف ) بمفهومه الشرعي ( ملك لله ) وهو حي لا يموت ولا يغيب ، أوقفه مسلمون صالحون لخدمة المجتمع الإسلامي بكل ما فيه من أطياف ، وهم ما زالوا على امتداد الأرض المقدسة وخارجها ينتظرون العدالة السماوية والأرضية أن تعيد الأمور في المنطقة إلى نصابها ...
في العام 1965 وفي إطار ما أسمته إسرائيل بعملية ( إصلاح - רפורמה ) ، قررت إقامة لجان خاصة لرعاية ما قررت هي وبدون تشاور مع المسلمين إعادته من ألأوقاف وبالذات في المدن المختلطة ، سمتها ( لجان الأمناء ) ، وضعت تحت تصرفها نسبة قليلة جدا من الأوقاف ، حيث كان لبعضها وعلى مدار سنوات دور سلبي في تصفية البقية الباقية منها ، مما أثار ردود فعل قوية في أوساط المسلمين أوقعت صدامات انتهت بقرار حاسم في أكثر من مدينة مختلطة إجراء انتخابات حرة ونزيهة لهيئات إسلامية تعنى بالأوقاف بمعزل عن لجان الأمناء المعينين ، وتسعى أساسا لتحرير ما أمكن من الأوقاف ، ورعايتها بما يليق بمكانتها الشريفة والمقدسة ...
كان لقرار إسرائيل مصادرة الأوقاف أثر مدمر على مقومات المجتمع الإسلامي في الداخل ، خصوصا وأنه جاء في ظروف انقطعت فيها أقليتنا العربية عن عمقها العربي والإسلامي الواسع ، إضافة إلى فقدانها لأكثر قيادتها الدينية والثقافية والسياسية وحتى الاقتصادية ، وحرمانها التام من مصادر قوتها الأساسية وإخضاعها الكامل لفترة قاربت العقدين لأشرس أنواع الحكم العسكري ، والذي أحكمت إسرائيل في ظله السيطرة على أقليتنا العربية ، وتحكمت في كل مقدراته وهيمنت على تفاصيل حياته حتى كادت أن تعد عليه أنفاسه ... فقدت جماهيرنا بفعل قرار مصادرة الأوقاف واحدا من مصادر نموها ورفاهيتها وتقدمها وتطورها ، وهي التي كانت وعلى مدى قرون تقدم من الخدمات ما يساوي ما تقدمه الدولة في كثير من مجالات الحياة ...
رغم إلحاحنا وعلى مدى عقود على ضرورة أن تعيد إسرائيل لنا حقنا في أوقافنا المصادرة، ظلت إسرائيل مصرة على رفضها لهذا المطلب الشرعي الذي يعيد للمسلمين حقهم المسلوب دون وجه حق... والسؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا ؟؟!!! الجواب على السؤال بقدر ما هو مستهجن فهو مخالف لأبسط قواعد العدالة، وهو تكريس لحالة نفسية إسرائيلية تجعل من إمكانية التعايش الحقيقي بين إسرائيل والأقلية العربية ناهيك عن الشعب الفلسطيني والمحيط العربية والإسلامي، مستحيلا...
يمكن الإشارة هنا على ثلاثة أسباب رئيسية تمنع من إجراء تغيير في سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية ما لن تتغير العقلية الإسرائيلية... أولها - هنالك اعتقاد لدى كثير من الأوساط الرسمية وغير الرسمية الإسرائيلية أن إعادة الأوقاف إلى المسلمين سيؤدي إلى فقدان السيطرة عليهم ، لما ستشكله هذه الأوقاف من مصدر قوة ذاتي لتطوير المجتمع العربي . وثانيها - الخوف من فقدان مصدر هام من مصادر تطوير المجتمع اليهودي ، خصوصا وأن الأراضي والعقارات الوقفية بأنواعها شكلت وما تزال الحيز الحضري الذي قامت عليه أغلب عمليات الاستيطان اليهودي في أرجاء فلسطين 1948 منذ قيام الدولة ، خصوصا في المدن التي كانت عربية خالصة : عكا وحيفا ويافا واللد والرملة وبئر السبع ... وثالثها - الخوف من تطوير اقتصاد مستقل للمسلمين في الدولة ، الأمر الذي سيزيد في التصور الإسرائيلي من السعي في اتجاه المطالبة بحكم ذاتي واسع ، وحتى إلى سلوك ( متطرف وانفصالي !!! ) للمسلمين داخل الدولة ...
إن أي تحليل حيادي للمشهد الإسرائيلي ونمطية معالجته لملف الأوقاف لا بد أن يوصلنا إلى النتيجة الواحدة والوحيدة ، وهي انه لن يكون هنالك أمل في حلحلة الوضع المتأزم بين الدولة ومواطنيها العرب ناهيك عن الشعب الفلسطيني ، ما لم تتحرر العقلية الإسرائيلية من عقدة الشك والخوف والتي لا يمكن أن نقبل باستمرار تحملنا لنتائجها المدمرة إلى ما لا نهاية ، وما لم تعترف بحقنا المغتصب في مجال لا يمكن إلا أن يوضع في إطار الحق الطبيعي الذي لا نقبل أن يُزَجَّ به في أتون الصراعات السياسية والإستراتيجية ، وهو في صلبه ملف ديني حقوقي مدني بامتياز ، وهكذا نطالب أن يتم التعامل معه ...
إن رفض إسرائيل التعامل مع ملف الأوقاف الإسلامية بالشفافية المطلوبة بعيدا عن الاعتبارات الأمنية والسياسية والنفسية ، والذي وصل حدا ترفض معه تزويد قسم الأبحاث والمعلومات في الكنيست بإجابات واضحة بناء على طلب تقدمْتُ به تمهيدا لبحث الموضوع في لجنة الداخلية البرلمانية ، لهو أكبر دليل على غباء هذه السياسة ونزعتها إلى الصدام المستمر مع الأقلية العربية دون مبرر ، وإصرارها على التعامل ( الأمني !!! ) حتى مع الملفات التي من المفروض أن تبقى مدنية حتى النخاع...
كمسلمين لن نتنازل عن حقنا في استرجاع أوقافنا الإسلامية ، لأنها أولا حقنا الذي لا تستطيع كل قوانين إسرائيل أن تغير حقيقته الأبدية ، ولأنها ثانيا مصدر من مصادر تطور المجتمع العربي الإسلامي في الدولة في ظل التمييز الصارخ التي تمارسه الدولة ضدنا في كل مجالات الحياة ، ولأنها ثالثا سبيلنا المتاح إلى تحقيق قفزة نوعية تقلص الفجوات الفلكية القائمة بيننا وبين المجتمع اليهودي بفعل السياسة الإسرائيلية التي تقدم اليهودي على العربي بصفته يهوديا ، وتضمن له التفوق دائما بسبب انتمائه العرقي ، رغم الدونية المفترضة في الجنس البشري ، والتي تجعله إنسانا ككل الناس ، إلا إذا ما زال هناك من يعتقد بفوقية ( الجنس اليهودي !! ) على باقي الأجناس والأعراق ...
لا مفر في نظرنا من الشروع في حوار بين الدولة والمجتمع العربي لتحديد الموقف تجاه هذا الملف الخطير والهام، واتخاذ القرارات المطلوبة لتصحيح الوضع الظالم الذي تعيشه الأوقاف الإسلامية، لأن بقاء الحال من المحال...



