بعد حرق الإطارات.. موضة حرق النفس تستوطن فلسطين
الكاتب: عبد القادر عقل
رام الله-شبكة راية الإعلامية:
حرق الإطارات، وسيلة شهيرة للتعبير عن الغضب والاحتجاج المعتري في النفوس، بمناطق مختلفة من العالم، فكنا نشاهد منذ أن كنا صغاراً، الشبان المتظاهرين وخاصة في الأراضي الفلسطينية، يحرقون الإطارات خلال المواجهات اليومية مع جنود الاحتلال الإسرائيلي، ولكن في هذا العصر كل شيء يتطور بشكل متسارع،حتى غدت الشعوب تحترف وتتقن فنون التعبير عن الذات، فأصبحت "موضة حرق الإطارات" من الماضي، لتحل محلها "موضة حرق النفس" .
البو عزيزي التونسي، أشعل النار في نفسه، ليشعل جمرة الثورة التونسية التي توقدت و لم تنطفئ، إلا عند الإطاحة برأس النظام التونسي "زين الدين بن علي" ، ومنذ ذلك الوقت أصبح الحرق تماماً كأي موضة مبتكرة، شقت طريقها في أوساط الشعوب المقهورة والمظلومة في شتى بقاع المعمورة، وانتشارها بلغ الذروة وكسر كل حواجز التوقع، فهي انتشرت تماماً مثل النار في الهشيم، حتى أنها وصلت إلى إسرائيل قبل عدة شهور عندما أحرق عدد من الإسرائيليين أنفسهم احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية هناك.
إستمرت "موضة الحرق" بالإنتشار، حتى وصلت لشعبنا الفلسطيني، سواءا في غزة أو الضفة، في الحقيقة و لا أخفي عليكم أنني كنت متوقعاً حدوث مثل هذه القصص المؤسفة، في ظل استمرار الاحتجاج على الوضع الاقتصادي المزري، وفي ظل تصاعد وتيرة الاحتقان والكبت الذي يعانيه الجمهور الفلسطيني من غلاء المعيشة ومن استمرار العمل في الرواتب المجزوئة والمتأخرة، ورغم توقعي الصائب إلا أنني لا أحبذ هذه الطريقة، فالحرق طريق الانتحار وليس أسلوب تعبير راقِ عن الغضب المتولد في النفس والكبت الكامن في الأعماق.
في رام الله مواطن حاول إحراق نفسه بصحبة ابنته ذات الخمس سنوات، هذا أقصى ما يعتبر هو "جنون" فما ذنب طفلة في كل ما يحدث؟! ،وقبلها في غزة وفي دورا أيضاً ، مع الأسف أقولها لا تزال نسبة من الجهل تستفحل داخل الكثير من العقول في شعبنا الفلسطيني، ولكن مع هذا نرى أن شعبنا غدا واعياً ومثقفاً ومدركاً لكل ما يدور حوله أكثر من أي وقت مضى، ولو كان عكس ذلك لحرق شعبنا نفسه بنفسه !! .
إننا كشعب فلسطيني معتادون على الإبتكار لا التقليد، لا نرضى بالقديم بل ندشن كل جديد، فكل مراحل القضية الفلسطينية تشهد على إبتكارات هذا الشعب، والتي كان آخرها ما قام به الصحفي رومل شحرورالسويطي مدير مكتب الحياة الجديدة بنابلس والذي مضى من منزله بحوارة الى مقر عمله راكباً حماره كوسيلة للنقل، للاحتجاج على الوضع الاقتصادي والغلاء.
الفلسطيني عندما يحرق نفسه فإنه لن يكسب من الدنيا شيء، كما أنه لن يكسب من الاخرة شيء، والفلسطيني لا يحرق نفسه، بل يتفنن بحرق كل أبجديات الظلم الجديدة ويتقن في ذلك بأكثر من وسيلة، وإتباع "موضة البو عزيزي" التقليدية ليست حلاً لما يحدث في بلدنا، فتونس ليست فلسطين، ومصر ليست فلسطين
لا أحد يعجبه الوضع الاقتصادي السيء، وما من أحد راض عن سياسة حكومة فياض الاقتصادية، ولكن هناك مئات الوسائل للإحتجاج والاعتصام الناجعة في التعبير عن الغضب وفي رفض الواقع المرير،فبدلاً من أن تحرقوا أنفسكم عليكم أن تحرقوا عجزكم، والإنتحار وسيلة غير مقبولة لا شرعاً ولا عرفاً ولا أخلاقاً .



