زيارة بايدن من منظور فلسطيني
الكاتب: حديث القدس
ولو كانت اسرائيل معنية حتى بالمفاوضات غير المباشرة التي بذلت الولايات المتحدة قصارى جهودها لاطلاقها، والضغط على الجانب الفلسطيني للموافقة عليها- على الرغم من رفض اسرائيل تجميد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية- فإن هذا الإعلان الاستفزازي ما كان له أن يتم في وجه ثاني أكبر مسؤول في الإدارة الأميركية. وفي كل الأحوال، فهو يشكل إحراجا للولايات المتحدة التي يبدو أنها تعودت على هكذا إحراجات من جانب اسرائيل، ولم تعد التصرفات الاستفزازية الاسرائيلية تثير لديها ردود الأفعال القوية التي من المفروض ان تصدر عقب هذه "الصفعة"- والتعبير لعدد كبير من المعلقين السياسيين الاسرائيليين أنفسهم.
أحد هؤلاء المعلقين قال إن إدارة أوباما هي التي جلبت هذا الاستفزاز على نفسها، من خلال تراخيها مع اسرائيل وامتثالها لسياسات رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الاستيطانية الى حد القبول بالتجميد المؤقت الظاهري للاستيطان في الضفة الغربية- والواقع أن البناء الاستيطاني لم يتوقف أبدا هناك. فأين ذهبت المطالب الأميركية لاسرائيل بوقف الاستيطان في كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية؟ سؤال لا يجد اي جواب، عدا عن دعوة الجانب الفلسطيني الى الرضا بما تلقي به اسرائيل من فتات الطروحات الشكلية الهزيلة التي تبعد السلام، وتبتعد عن كل المبادرات السلمية الحقيقية ومنها خطة خريطة الطريق.
فما الذي حققته زيارة بايدن من التقدم في عملية السلام، باستثناء استعراض الموقف الأميركي الذي لم يحدث تأثيرا يذكر على سياسة اسرائيل الاستيطانية؟
وهل كان من الضروري أن يكشف نائب الرئيس الأميركي عن وقوفه في صف اسرائيل الى حد أن يقول بالحرف الواحد :"لو كنت يهوديا لكنت صهيونيا، وليس من الضروري ان يكون المرء يهوديا حتى يكون صهيونيا"؟ وهل كانت فلسطين صحراء ،كما قال، قبل أن تقام اسرائيل، أم كانت عامرة بالمزارع والتجارة والخيرات من كل الأصناف وعامرة بأهلها؟ يستطيع بايدن أن يتقرب لاسرائيل كما يشاء وأن يعدد انجازاتها فهذا أمر يخصه، وربما يخص قطاعا كبيرا من السياسيين في الولايات المتحدة، لكن المطلوب أن يكون وسيطا نزيها في عملية السلام، وتتطلب هذه النزاهة قدرا معقولا من ادراك الوقائع التاريخية والجغرافية والمعطيات الفلسطينية، التي اهمها تجذر الشعب الفلسطيني على ارض وطنه منذ آلاف السنين.
واذا كان نائب الرئيس الأميركي يقصد من تقرّبه لاسرائيل في الخطاب الذي ألقاه أمس بجامعة تل أبيب أن يجتذب تأييد سياسييها وناخبيها لعملية السلام، فإن غيره من السياسيين تجاوزوا بكثير ما ورد في خطابه من تقارب أوتقرُّب دون أن يفلحوا في زحزحة المواقف الاستيطانية الاسرائيلية، وليس من حاجة لذكر الأمثلة والأسماء. والسؤال هو : هل هذا التقرب هو الجائزة التي قدمها بايدن لاسرائيل على اعلان مخططاتها الاستيطانية في القدس العربية في اليوم الأول لزيارته؟
هناك دعوة وجهها بايدن في تضاعيف خطابه للحكومة الاسرائيلية، بانتهاز الفرصة الراهنة التي قد لا تتكرر لتحقيق السلام، حيث هناك الآن سياسيان فلسطينيان يسعيان بالفعل لتحقيق السلام العادل وهما الرئيس ابو مازن ورئيس الوزراء سلام فياض. لكن هل تصل هذه الدعوة الى عقول المسؤولين الاسرائيليين التي تسيطر عليها التوجهات التوسعية الاستيطانية. هذا هو السؤال الذي تشير المعطيات، الحالية على الأقل، أن الجواب عليه هو النفي العملي- وبكل تأكيد.



