إنهم يكذبون علينا...
الكاتب: هاني عوكل
راية نيوز: من قال إن نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن استاء كثيراً من التصرف الأخرق الذي قامت به الحكومة الإسرائيلية، باتخاذها قرار بناء 1600 وحدة استيطانية جديدة في القدس المحتلة، تزامن الإعلان عنه عشية لقاء جمع نتنياهو بالضيف الأميركي في تل أبيب.
ربما هناك من يعتقد وأنا منهم، أن بايدن جاء إلى تل أبيب للتحدث عن النووي الإيراني، وعن الإمكانيات المطلوبة لدعم التوجه الأميركي في فرض عقوبات قاسية على إيران، ويشمل ذلك زيادة التخويف من الهاجس النووي الإيراني، الذي يتطلب عقد صفقات من الأسلحة لإنقاذ الموازنة الأميركية التي تعاني من العجز.
بايدن جاء إلى تل أبيب أيضاً، ليؤكد عمق العلاقات الأميركية- الإسرائيلية، خصوصاً في الجانب الأمني، ويبدو صحيحاً أن قرار وزير الداخلية ايلي يشاي ببناء الوحدات الاستيطانية، يمثل "قشرة الموز" التي تزحلق عليها بايدن، لكن الأوساط الإسرائيلية انتقدت هذا القرار فقط لأنه يتقاطع مع زيارة بايدن.
كأن هذه الأوساط تقول إنه يفترض على وزير الداخلية أن يؤجل إعلان البناء لفترة من الزمن، حتى يغادر الضيف الأميركي تل أبيب، وبعد ذلك يمكن أخذ القرارات التي من شأنها ابتلاع القدس لصالح الاستيطان والتهويد.
بايدن بنفسه لم يكن متفائلاً من نتائج المفاوضات غير المباشرة التي اقترحها المبعوث الأميركي جورج ميتشل، لكن لأن أوباما دخل في هذا الصداع الذي يسمى "الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي"، فإن المطلوب على الإدارة الأميركية أن ترعى مفاوضات تأخذ الطابع الشكلاني، فقط المهم أن يذكر اسم الولايات المتحدة باعتبارها الطرف الثالث في ذلك.
طبعاً لن يكون بايدن دبلوماسياً إذا بلع الموس الإسرائيلي بدون إحداث جلبة، ولذلك فإنه تأخر على وليمة العشاء التي أقامها نتنياهو على شرفه، لمدة ساعة ونصف، حتى يبين استياءه "الإعلامي" مما جرى، هذا الاستياء الذي ترجمه أيضاً في بيان "حار" يعبر عن انزعاجه وغضبه من القرار الإسرائيلي.
الأوساط الإسرائيلية تقول إن نتنياهو لم يكن يعلم عن القرار الذي أصدره وزير داخليته يشاي، لكن قراراً بحجم بناء 1600 وحدة استيطانية في القدس، لا يمكن أن يصنف على أنه قرار الوزير، ونتنياهو بنفسه كان قد أمر مؤخراً بتجميد الاستيطان لمدة عشرة أشهر، إلا في القدس وغيرها من المناطق الحساسة والمهمة بالنسبة لإسرائيل.
فقط ما فعله نتنياهو لحل الأزمة، عبارة عن اتصال أجراه الرجل صباح الخميس الماضي، ببايدن، ليعبر عن أسفه بشأن "التوقيت الإسرائيلي غير المناسب"، والتجاوب كان بإنهاء الأزمة دون إعادة النظر بشأن وقف بناء الوحدة الاستيطانية التي تقررت. كل المشكلة كانت فقط بسبب التوقيت الإسرائيلي غير المناسب، وكان يمكن لوزير الداخلية يشاي أن يعلن عن توقيتات أخرى، طالما أنها لن تثير كل هذه الحساسية لدى الإدارة الأميركية.
بايدن دعا في خطاب بجامعة تل أبيب، إلى ضرورة استئناف المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني- والإسرائيلي، وهو لم يتحدث سوى عن الإدانة لقرار بناء المستوطنات، ثم ضحك على نفسه وعلى الجمهور بأن نتنياهو قال له إن مثل هكذا قرار يحتاج إلى سنوات حتى يدخل حيز التنفيذ، وأن هذا التوضيح مهم ويشجع على استئناف المفاوضات!
الضيف الأميركي نسي أن حكومة إسرائيل استصغرته بقراراها الاستيطاني، فراح يحكي عن علاقته وحبه لإسرائيل، وأنها أفضل صديق للولايات المتحدة على مستوى العالم، حتى أنه أشار إلى أن المصالح المشتركة تعني حرص الولايات المتحدة على سلامة اسرائيل وأمنها، في ظل ما قال عنه بايدن، وجود إسرائيل في منطقة معادية.
في إطار ما يسمى "بروباغاندا" مشكلة (بيبي- جو)، يجري الحديث عن تصدع في الائتلاف الحكومي، على خلفية قرار يشاي، وتتناقل وسائل الأنباء "زعل" حزب العمل من مثل هكذا إجراء، ليس لأنه يتناقض مع مساعي "التفاوض التقاربي"، وإنما لأنه، يشير إلى الدبلوماسية الحمقاء التي أظهرتها حكومة نتنياهو والتي سببت مشكلة مع بايدن.
ومهما كان لون وشكل الحكومة الإسرائيلية، فإنها لن تخرج عن الإطار السياسي الذي تحدده لنفسها، ذلك أن هناك اتفاق جماعي في اليسار واليمين، على ترجمة شعار يهودية الدولة وعلى الأهمية الجيوسياسية للقدس، ومجرد النقاش في هذين الأمرين مع الطرف الفلسطيني، يعني عدم العودة إلى المربع الأول، بل نسف كل المربعات التفاوضية.
في الجهة الأخرى، تقول الأنباء إن الرئيس عباس أبدى امتعاضه من القرارات الإسرائيلية الخاصة بالاستيطان، ونفس ذلك موقف الدكتور سلام فياض، والحديث يدور عن موقف فلسطيني ضد "التفاوض التقاربي"، ذلك أن الأمر وصل إلى أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى من الرئيس عباس الذي أبلغه برفض التفاوض.
موسى علق على موقف عباس باستحالة إجراء مفاوضات غير مباشرة في ظل الخطوات الإسرائيلية أحادية الجانب، هذه التي كان قد رفضها بشكل عام الضيف الأميركي بايدن، وهدد باتخاذها استباقاً للمفاوضات غير المباشرة، ومثلما يقول المثل "العين بالعين والسن بالسن"، فإن من المفروض على الجامعة العربية اتخاذ إجراءات توازي خطورة الإجراء الإسرائيلي الاستيطاني التصعيدي.
المشكلة بأن العرب قبلوا بالحدود الدنيا لهذا التفاوض، لأن الولايات المتحدة ما تنفك تذكرهم دائماً، بأن إيران ليست عدوةً لإسرائيل فحسب، وإنما عدوة للجميع، خصوصاً لجيرانها من العرب، وأن حالة التضامن العربي- الغربي ضد إيران، تتطلب تهدئة وإجراءات ناعمة على صعيد الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.
والمشكلة أن إسرائيل تريد مفاوضات لصالحها، ذلك أن إقرار بناء المزيد من المستوطنات في ظل كل التحركات الحاصلة بشأن استمرار المفاوضات، إنما يعني أن إسرائيل تريد تمرير ملف الاستيطان باعتباره الطريق الآمن لترجمة الدولة اليهودية.
الحديث لا يجري الآن عن قرار بناء 1600 وحدة استيطانية فقط، وإنما هناك مخطط لبناء أكثر من 50 ألف وحدة استيطانية في القدس على مراحل، ومثل هذه الجرعات لن تجلب مفاوضات بالغة ولن تحقق سوى تجميد العملية السلمية.
وسيكون من الصعب والمؤلم جداً، قبول رؤية بايدن تجاه أهمية استئناف المفاوضات، لأن مثل إعلان القبول هذا، يحمل في طياته اختراقاً في العملية التفاوضية منذ بداياتها، وسيعني أن جميع من وافق من العرب والفلسطينيين متواطئ في تهويد القدس وضد الدولة الفلسطينية.
لربما كانت زيارة بايدن لإسرائيل من أجل مباركة الاستيطان والتصفيق على قرار بناء الوحدات الاستيطانية، لكن الأمر مختلف أمام التلفزة، بحيث أنه يتطلب افتعال فيلم كأفلام "هوليود" الخيالية، لتمرير قصة الامتعاض الأميركي تجاه إسرائيل والوقوف في صف الحريص على السلام. أليس هذا منطقياً في ظل السكوت الأميركي على وقف الاستيطان؟ في كل الأحوال: جميعهم يكذبون علينا...



