الحل في انتظار ميتشل
الكاتب: محمد السعيد ادريس
راية نيوز: اللوم الشديد الذي تلقاه بنيامين نتنياهو على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، وما جاء من توصيف لتداعيات قرار الاستيطان الإسرائيلي الجديد في القدس الشرقية المحتلة على لسان جون بايدن نائب الرئيس الأمريكي من أنه "تقويض للثقة" مع الفلسطينيين سرعان ما جرى احتواؤه باتصال هاتفي أجراه نتنياهو مع بايدن اتفقا خلاله على تجاوز الأزمة بعد أن قام نتنياهو بتوبيخ المسؤولين عن اعلان قرار التوسع الاستيطاني أثناء وجود بايدن في إسرائيل، وأنه أمر بالتحقيق في قرار وزارة الداخلية الاعلان عن هذا القرار بعد أن عقد لقاء تشاورياً مع أعضاء بارزين في حكومته .
كما أن الخوف على مستقبل المفاوضات الجديدة في ظل التمادي الإسرائيلي في التوسع الاستيطاني قد تلاشى هو الآخر سريعاً، حيث أكدت الحكومة الإسرائيلية عملياً أنها لا يمكن أن تقبل بأن تضع نفسها في موقف الاختيار بين الاستيطان والمفاوضات، فالأصل بالنسبة لها هو الاستيطان، وأن المفاوضات وسيلة لتحقيق هذه الغاية، أي الاستيطان، فالهدف الإسرائيلي كان وما زال مستمراً من دون تغيير في كل المفاوضات، وهي أنها وسيلة لكسب الوقت لمزيد من التوسع الاستيطاني والتهويد .
فالحكومة الإسرائيلية لم تفكر لحظة في التراجع عن قرارها الاستيطاني الجديد، ولكن كل ما فعلته هو الاعتذار عن توقيت الاعلان عن هذا القرار أثناء وجود نائب الرئيس الأمريكي في إسرائيل، أي المشكلة كانت في التوقيت وليس في القرار .
الأهم من ذلك هو الموقف الأمريكي من الاختيار بين المفاوضات والاستيطان، فواشنطن لم تعلن فقط انحيازها للاستيطان على حساب المفاوضات، كما هو حال الحكومة الإسرائيلية، بل أنها انحازت للاستيطان وزادت عليه اصراراً على استمرار المفاوضات مع الاستيطان .
قد يتصور البعض ان هذا الموقف الأمريكي صادم للعرب والسلطة الفلسطينية، وأنه خارج كل التوقعات والحسابات، وأن الجميع كان وما زال ينتظر قراراً أمريكياً يأتي به جورج ميتشل مبعوث عملية السلام الأمريكي مع عودته إلى المنطقة قريباً على نحو ما طلب أو تمنى صائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات في السلطة الفلسطينية، ولكن الواقع المُر يقول عكس ذلك، ويؤكد أن الموقف الأمريكي الحقيقي هو "مفاوضات تحت راية الاستيطان"، هكذا أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، رداً على الرفض العربي والفلسطيني لاستئناف المفاوضات من دون التزام إسرائيلي بوقف سياسة الاستيطان .
فقد طالبت كلينتون بأن تبدأ المفاوضات من دون شرط وقف الاستيطان، وأن تتحول السياسة الاستيطانية الإسرائيلية من شرط لبدء التفاوض إلى بند يجري التفاوض حوله في تلك المفاوضات، ما يعني أن المفاوضات سوف تناقش السياسة الاستيطانية، لكنها وهذا هو الأهم، أعلنت وأكدت ان حدود إسرائيل ستشمل التطورات الأخيرة، في إشارة إلى الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية .
هذا ما سبق اعلانه وما جرى قبوله فلسطينياً وعربياً عندما جرت الموافقة على بدء مفاوضات فلسطينية إسرائيلية، ولكن "غير مباشرة" .
نستطيع ان نقول إن أي انتظار عربي لعودة جورج ميتشل بقرار تجميد الاستيطان ليس أكثر من مداومة العرب على إدمان الرهان على الأوهام وانتظار تحقيقها، وأن قراراً عربياً بانهاء المفاوضات قبل أن تبدأ لن يحدث ولن يصدر عن السلطة الفلسطينية أو عن مجلس وزراء الخارجية العرب، أو عن القمة العربية المقبلة، لسببين أولهما أن اعلان رفض المفاوضات سيضع العرب ومعهم السلطة الفلسطينية أمام ضرورة طرح الخيار البديل، الذي سيبدأ حتماً باعلان إنهاء مبادرة السلام العربية التي تعمدت إسرائيل تجاهلها التام، ثم الانجرار إلى خيار المقاومة، وهو الخيار الذي تراه دول عربية مهمة "خطاً أحمر" يتعارض مع ما تعتبره "مصالحها الوطنية" وارتباطاتها الدولية سواء مع واشنطن أو تل أبيب .
أما السبب الثاني فهو قبول واشنطن، أو على الأقل تفهمها، للتوضيح، وليس للاعتذار الإسرائيلي لأن هذا الاعتذار لم يحدث .



