ماذا يحدث في فلسطين؟!
الكاتب: أشرف العجرمي
رام الله-شبكة راية الإعلامية:
من يشاهد تطور الأحداث في مناطق الضفة الغربية المختلفة، وخاصة في الخليل ونابلس يتذكر أيام الانتفاضة الأولى وبداية الانتفاضة الثانية، وكأن الناس يثورون ضد السلطة الوطنية على اعتبار أنها العدو الذي يجب طرده أو إسقاط حكمه مع أن السبب الرئيس للاحتجاجات كما قال منظموها هو معالجة الأوضاع الناجمة عن الغلاء الكبير في الأسعار وخاصة أسعار الوقود والمواد الاستهلاكية وتدني الأجور وتأخر صرف رواتب موظفي السلطة. ولم يكن مطروحاً السعي لتدمير السلطة أو تخريب الممتلكات العامة وإحراق إطارات السيارات و النفايات وتلويث البيئة والاعتداء على السيارات المارة والقيام بأعمال السلب والنهب وإلقاء الحجارة على رجال الشرطة والأمن الذين تعاملوا بصورة حضارية ومتسامحة مع المتظاهرين.
لقد أصبح واضحاً أن هناك رد فعل شعبيا على أحاديث كل من رئيس الحكومة د. سلام فياض والرئيس محمود عباس (أبو مازن) التي لم تقنع الناس بان شيئاً سيتغير في الواقع المعيش على الأقل في المدى المنظور، وكانت تركز على صعوبة الوضع وتقدم تحليلاً له ولم تأت بأية حلول. وربما هذا الذي جعل المواطنين الغاضبين ينادون برحيل الرجلين. وفي الواقع يشعر الناس بالأزمة المستفحلة، وأيضاً بعجز القيادة عن تقديم إجابات واضحة مقبولة على المحتجين، وهذا الوضع ليس وليد شهر أو شهرين ماضيين بل هو استمرار لتطورات سلبية بدأت قبل سنوات طابعها العام سياسي، وان كانت تحمل أوجهاً اقتصادية واجتماعية يتأثر بها الناس في حياتهم اليومية، وتثقل عليهم وتسبب لهم هذا الشعور بضيق الحال والعجز عن مواصلة الحياة بصورة طبيعية.
السبب الرئيس في الأزمة التي يمر بها الشعب الفلسطيني في كل مكان وليس فقط في الضفة الغربية هو الاحتلال. والقيادة بالرغم من كل محاولاتها لم تنجح في تحقيق اختراق حقيقي على طريق إنهاء الاحتلال، ولا حتى على مستوى تحسين شروط حياة الناس وتعزيز صمودها وقدرتها على المواجهة. وهذا بطبيعة الحال لا يلغي الانجازات التي حققتها الحكومة على مستوى إعادة النظام والأمن والنمو الاقتصادي النسبي في أعقاب حوالي سبعة أعوام من الفوضى والدمار. ولكن منذ أكثر من عامين هناك تدهور متواصل في الأوضاع المعيشية يترافق مع تكثيف الاستيطان والإجراءات الإسرائيلية التي تهدف إلى قطع الطريق أمام التسوية السياسية الشاملة وحل الدولتين على أساس حدود عام 1967، ولا يوجد أي فعل حقيقي لدى القيادة والسلطة يقنع الناس بأننا قادرون على مواجهة هذه التحديات. حتى الخطوات الرمزية مثل التوجه للأمم المتحدة للحصول على اعتراف دولي بدولة فلسطين تتعثر بسبب الضغوط الخارجية. و على مستوى الحكومة ظهر العجز جلياً بعد تقلص الدعم، وعلى وجه الخصوص، العربي للسلطة، ولم تنجح قيادة السلطة في تطوير العلاقة مع الدول العربية وإقناعها بتوفير التمويل للسلطة. ولا توجد أية خطة لدى الحكومة قادرة على التعامل مع هذه المشكلة، والحلول التي اقترحت من اجل زيادة الدخل من الضرائب لم تنجح .ربما يستطيع فياض تهدئة النفوس قليلاً بالإعلان عن تخفيض أسعار السولار وإجراءات أخرى ولكن هناك حاجة لإجراءات طويلة الأمد ذات بعد عميق واستراتيجي.حتى يقتنع المواطنون بأنه توجد قيادة قادرة على معالجة المشكلات والهموم التي يعانون من وجودها، وهناك أيضاً حاجة لخلق جسم وطني قادر على تقدير الموقف ووضع تصورات ومقترحات لحلول واقعية وممكنة.
الآن هناك خلط كبير في الأجندات في التعاطي مع الأزمة الراهنة، فهناك من يعارض سلام فياض ويريد الانتقام منه ويعتبرها فرصة مناسبة لرحيله ، وهناك من يريد إعادة الأمور إلى مربع الفوضى والفلتان الأمني وهؤلاء هم الذين تضرروا من بسط سيادة القانون والنظام العام في مناطق السلطة، بالإضافة إلى من يريد القضاء على مشروع السلطة بشكل كامل، وهناك الذين يريدون فقط تحقيق المطالب التي يطرحها الناس والوصول إلى حلول منطقية للأزمة . وفي ظل حالة الفوضى والمواجهات التي شهدتها المناطق المختلفة في الضفة من الصعب التمييز بين أصحاب الأجندات المختلفة، والشيء الوحيد المؤكد هو أننا إذا بقينا على نفس هذا الخط سنصل بسرعة إلى الهاوية. وسنعود إلى حالة الضياع من جديد،وهذا يدمر ما تبقى من المشروع الوطني .
إذا كانت الاحتجاجات محقة وهي كذلك فعلاً فيجب ألا تخرج عن نطاق السعي لتغيير الظروف نحو الأفضل، فالفوضى ستدمر كل شيء ولن تكون هناك لا مطالب ولا مصالح ولا استجابات إلا لمن يسيطر على الشارع بالقوة، ولا نعتقد أن من يرغب في تحسين شروط حياته يريد الوصول إلى إنهاء كل شيء وإلغاء كل العناوين. ولهذا لابد من عدم فقدان البوصلة والعقل في كل ما يفعله المواطنون إن أرادوا التغيير والحصول على حقوقهم ومطالبهم، وهذا يتطلب الكثير من الحكمة وقطع الطريق على العابثين والمخربين.
ومن جهة أخرى، فإن القيادة مطالبة باتخاذ خطوات عاجلة وجادة لمنح المواطنين شعوراً حقيقياً بأن رسالتهم قد وصلت، وان مطالبهم قيد المعالجة بما هو ممكن ومتوفر لدى السلطة، وقد يكون مطلوباً إجراء تغييرات جدية في تركيبة المؤسسة الحكومية وخلق حالة من التفاعل والتكامل مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والشخصيات الوطنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للوصول إلى طريق يؤدي إلى معالجة المشاكل المتفاقمة. والأهم هو الوصول إلى خارطة طريق وطنية متفق عليها في الملف السياسي والخروج من حالة الضياع والانتظار والعجز التي نعيشها ، وعندها يمكن للناس تحمل الكثير من الصعاب والمشقة.



