رحيل المناضل عبد الله داوود حق العودة للشهداء.؟؟
الكاتب: حسن نبيل رمضان
راية نيوز: يطال العجز كل شيء أمام التضحيات الجسام ، وتصبح الحروف والمفردات جثة هامدة تتمدد على سطور حزينة ، تحمل نقش التمرد والغضب ، والحيرة والصدمة ،فالحقيقة لا تحتاج لمن يشرحها و يفسرها ، بل تحتاج لمن يطلق لجامها، ويفرج عنها من خلف قضبان الانتظار ،فلا جدوى ولا طائل من أي موقف إذا كان سيبقينا ابد الدهر لاجئين ومبعدين لنعود بعد سنوات طوال من الترقب في أكفان حيكت بعيدا عن ثرى الوطن السليب ،هكذا رحل الفلسطيني المناضل و اللاجئ أبدا ( عبد الله داوود ) رحل مشعلنا فينا الغضب ، ومحطما جدران الرتابة التي تنخر هممنا ،فقد صمد حتى اللحظة الأخيرة في إبعاده منتظرا أن يعود إلى حارات وزقاق مخيمه (بلاطة) محطته المؤقته للعودة إلى بلده الأصلي ( الطيرة ) ، رحل قبل أن يكسر حلقة الشتات التي تمنى ان تبتعد عن معصمي أبناءه ، فزرعهم زيتونا على ارض فلسطين حتى لا تجرفهم أمواج الوعود الممتدة ، وعواصف الترحال والغربة .
إن التاريخ يتكفل في الحديث عن نضال (أبو القاسم) ، لكن الحديث في رحيل أبو القاسم يجبرنا أن نعترف بحجم الخسارة ، ليست خسارة عبد الله المناضل فقط بل خسارة عبد الله الأب ، عبد الله الإنسان الذي عكس رغبة كل فلسطيني في بلوغ الحرية والاستقرار، لقد رسم الصورة التي يحاول العالم اجمع أن ينسينا إياها ويحولها إلى حاشية في نص، أو كلمة مشفرة في قاموس التغيير ، وهي أننا لاجئون مهجرون ملاحقون حتى في أحلامنا، رسم رحيل عبد الله صورة حوافها تساؤلات ورتوشها غربة وأبعادها سياسة ، فإلى متى سيبقى الفلسطيني لاجىء ، إلى متى سنبقى ندفع أثمان باهظة ليعود لنا أبنائنا مدثرين ومزملين بالحرمان ، ينتظرون تأشيرة عودة لأجساد أعياها الإبعاد فرحلت إلى خالقها الذي لديه العدل والإنصاف الذي تفتقر له البشرية، حتما لن نستطيع مهما كنا ومن كنا، ومهما كتبنا أو صدحنا بالصوت أو رفعنا شعارات أو نحتنا في اللغة لنولد كلمات ومصطلحات جديدة ، أن نعوض خسارة (يوسف) لوالده ، أو نسد رمقه الجاف غربة وحرمان له ، فالموت والشهادة حق لكنهما لم يكونان يوما مطلبا ولا رغبة ، والنضال والمقاومة حق ولكن هدفهما العودة ، رحيل عبد الله حرك فينا طوفان كبير من أسئلة مبدوءة ب( لماذا ؟) وتغص بأسئلة( إلى متى ، ومن المسؤول ؟ )
يجب أن نتنبه جميعا كفلسطينيين أن حياة وعودة اي فرد منا الى وطنه حتى لو كان شهيد أهم من كل الاعتبارات الأخرى ، وان رحيل عبد الله إلى السماء بعد رحلة ثنائية مع الإبعاد القصري ، ومشوار امتد ثمان وأربعون عاما مع اللجوء أعادنا إلى عنوان كبير وأصيل بأن الفلسطيني الذي لا زال مرابطا في مخيمات اللجوء مطالب أن لا يتنازل عن حقه أبدا حتى لو فارق الحياة ، وان على جميع النخب السياسية والقيادة في كافة المخيمات أن تقوم بما عليها للصمود أمام طوفان التغير والمفاهيم المستحدثة وكعادته كان قائدا في حياته وقائدا في موته ، فرحيل عبد الله فتح الباب الآن وعلى مصراعيه للحديث في عودة إخوته وزملائه مبعدي كنيسة المهد ، وحمل الجميع أمانه التحرك والضغط لإنهاء هذا الملف ،فكفينا هذه الخسارة الموسومة بظلم وقهر الاحتلال.
لا تصح أي خاتمه في لحظة فراق وفقدان المناضلين الأبطال ،ولكننا نعترف الآن وبقوة أننا ضعفاء ومكبلي الأيدي ومفجعون ، وأننا لا نستطيع أن نعوض من رحل عنا ، نعترف أننا مقصرون حتى كتبنا مداد البحر في ذكرى كل فلسطيني يرحل عنا ، أنت الآن يا أبا القاسم بين يدي الله وهو الأكرم منا جميعا ، فإلى جناته مع الشهداء والصالحين .



