الارض صانعة الامم
الكاتب: م.بهيج البيقاوي
يبدو جلياً لمن يراقب اخر التطوارت في عالم المال والاعمال والطرق والوسائل التي يتم من خلالها الانتشار الواسع للشركات العالميه العابره للقارات, وقد يصاب بالذهول وربما الاحباط من القفزات الواسعة والمطردة التي تحققها هذه الشركات العملاقه على حساب الشركات المحليه الصغيره العائلية منها وغير العائليه، وفلسطينيا ربما يكون معلوما لكافة صانعي القرار والمراقبين ان ما يقارب ال 90% من المنشات التجارية تصنف كمنشات صغيرة اي تقع ضمن الفئة التي تستخدم عاملا الى اربعة عمال ، وهذا ما يعطي الأهمية الكبيرة للتعاطي مع هذا الموضوع .
لقد تحقق اليوم حلم ان يصبح العالم قرية صغيرة لمن حلموا وخططوا ونفذوا ، فنحن اليوم ايضا نشهد انكماشا وتراجعا للدور الذي لعبته الشركات والمؤسسات الصغيرة وبالذات تلك التي يتركز نشاطها في الزراعة والصناعات الحرفية والصغيره ، فأصبحنا نشهد الكثير من المصانع التي اغلقت واصبحت صالات الانتاج فيها مستودعات للبضائع الصينية وغير الصينية، كما لم نعد نر الاهتمام الذي كنا نشهدة في الجيل الذي سبقنا بالارض والزراعه ، فأصبحنا نلبس ونأكل مما لانصنع ولانزرع . فالارقام تحدثنا انه ومع نهاية الثمانينات كانت الزراعة تشكل أكثر من خمس القوة العاملة فيما تقلصت في العام 1997 الى نحو 11,6% من مجموع القوى العاملة في الضفة و 8% من مجموع القوى العاملة في غزة.
ولا شك ان هذه ارقام تبين تراجع الاهتمام في قطاع الزراعة وليس قطاع الصناعة عن هذه الحقيقة ببعيد ، بالرغم من كل المبادرات والاموال والدعم الذي صرف على اعداد الخطط والدراسات والمشاريع التي لم تفلح في مجرد وقف هذا التدهور.
ولكن قد يقول قائل ، وماالعيب في ذلك ؟ الا يعتبر هذا نوعا من التقدم والرقي ورغد العيش؟ الايمكن اعتبار هذه الظاهره انصرافا وتركيزا على الاهم ثم المهم؟ فلماذا يفكر احدنا بصناعه الاحذيه على سبيل المثال في الوقت الذي يمكن استيرادها بأقل من ربع سعر التكلفة لديه؟
الا يعتبر ذلك تعظيما للربحية وتسريعا لكسب الثروات؟
وربما يقول اخر،ان الزراعة لم تعد تغطي همها ولامصاريفها؟!!
تركنا مصانعنا وهجرنا اراضينا وعملنا موزعين ووكلاء للشركات العملاقة وتسابقنا لحجز مقعد في اول طائره متوجهه الى الصين، ومن لمن يحالفه الحظ ولم يتمكن من وراثه مبلغ كاف يؤمن له نيل شرف هذه الرحله ،استدان من البنك وكشف حساباته حتى يصبح من كبار تجار الجمله الدين حازو شرف زياره هذا البلد واستيراد منتجاته. لقد تراجعت كل القطاعات لصالح قطاع الخدمات الذي بدأ يتضخم حتى أصبح يشغل اكثر من 92 الف عامل في العام 2010 . وبالطبع فان زيادة قدرة هذا القطاع على تشغيل الشباب لا يعيبه الا ان نموه لم يكن الا على حساب قطاعين هامين هما الزراعة والصناعه.
وليس المقام هنا للبحث او الخوض في نوعية المنتجات واسعارها ولكن الهدف الرئيس هو طرح سؤال مركزي ومهم ، كيف لنا ان نقضي على البطالة ونحارب الفقر ونوفر فرص العمل لشبابنا ونحن هاجرون لمصانعنا ناكرون لجميل ارضنا ؟؟
وهذا السؤال ليس موجها للصناعيين الذين هجروا مصانعهم او اصحاب الاراضي الناكرين لها ، وانما يوجه الى المسؤولين ودوائر التخطيط وصناع القرار الذين ينشغلون في وضع الخطط القصيرة او الطويله المدى.
فليسمح لي اصحاب الفخامه والمعالي والعطوفة وغيرها من الالقاب التي نكن لحامليها الاحترام الذي يستحقونه. ألا يخبرنا احدهم كيف نمت وتطورت الاقتصادات المتقدمة وماذا كان دور الشركات العائلية والصغيرة ، بل وربما نقول متناهية الصغر ، في تطور ونمو اقتصاديات هذه الدول ؟؟؟؟
ربما يجيب احدهم ويقول ان نمو اقتصاديات الدول المتقدمه قد اعتمد بالفعل على الشركات العائلية الصغيرة التي شكلت الرافعه الحقيقية للصناعة والزراعة والسياحة والتجارة في هده البلدان، ولكن هذا لم يعد اكثر من كونه تاريخا ،فما صلح قبل مائه عام لم يعد صالحا اليوم،ولن يكون بامكاننا ان نلحق بهذا العالم المتحضرالا اذا بدأنا من حيث انتهى الاخرون.
وليسامحني اصحاب هذا الرأي ان خالفتهم بقولي ان ماصلح لنمو ونهضه اوروبا وامريكا في الماضي هو نفسه الذي صلح في السنوات العشرين او الثلاثين الاخيره لنهضة الصين والهند ولا اريد ان اقول تركيا حتى لا اتهم انني "أردوغاني" ، فالهند ياسادة اعتمدت بشكل تام بما لايقبل مجالا للشك على الصناعات الحرفية الصغيرة والمبادرات العائلية المتناهية في الصغر واهتم اهلها وصناع القرار فيها بأرضهم وصناعتهم الصغيره فاعطتهم الكثير ، وانتبهوا الى ضرورة نمو الاقتصاد في بلدهم باستخدام الزراعة والصناعه قبل ان تصبح من كبريات الاقتصادات العالميه التي يحسب لها اليوم الف حساب .
لقد كانت الزراعة وإلى سنوات خلت المحرك الرئيس للاقتصاد الهندي وعرف البلد معها الاستقلال الاقتصادي، وبعد ذلك انصرف اقتصادها لقطاعات اخرى فاليوم تراجعت مساهمة هذا القطاع إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي وتقدمت قطاعات اخرى مثل : التعدين، البترول، صقل الماس، الأفلام، خدمات تكنولوجيا المعلومات، المنسوجات، الحرف اليدوية.
ان المساحة المزروعة في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية تشكل ما نسبته 15,9% من اجمالي المساحة التي تقع تحت سيطرتها ، وهذا يجعلنا نقف متأملين ومتسائلين ، أين السياسات الاقتصادية التي وضعت لتطوير هذا القطاع و هل تعلمنا الدرس ان استقلالنا التام لايكون الا بالاعتماد على الذات وتخلصنا شيئا فشيئا من الاعتماد على المساعدات والقروض من خلال تنمية زراعتنا وصناعتنا مهما كانت متواضعة وصغيره ، وأن لا قيمة للمؤسسات والوزارات التي تعنى بهذين القطاعين اذا لم تبدأ بالفعل بتغيير واقعي على الارض لهذا الوضع المؤلم والمخجل في آن واحد .



