أكتوبر 1973، من ابتلع "سمكة البلاستيك
الكاتب: حسن البطل
رايه نيوز: مصري في الـ 32 من عمره، مهندس زراعي في سيناء مثلاً، قد يعبر "نفق الشهيد حمدي" تحت قناة السويس. مصري آخر في الـ 32 من عمره، خريج كلية الفنون الجميلة، مثلاً، قد يمر بالميدان المقابل لجامعة القاهرة، حيث ينتصب تمثال "نهضة مصر" لشيخ النحاتين المصريين المعاصرين، محمود مختار.
من المفترض أن المهندس الشاب والفنان التشكيلي الشاب، سيعرفان من هو الضابط حمدي؟ ومن هو النحات مختار، كما يعرف البغدادي من هو جواد سليم، صاحب تلك الجدارية في "ساحة الحرية".
ماذا عن حرب أكتوبر 1973، وهي "حرب تحريك" عسكرية محدودة، لكن نتائجها السياسية كانت أبعد مدى من "حرب الحسم" الإسرائيلية في حزيران 1967؟ بدليل أن القرار 338، عقب حرب اكتوبر "المحدودة"، هو الذي مكن من تنفيذ القرار 242، عقب حرب حزيران "الحاسمة". جيل ما بعد أكتوبر قلما يحفل بمجرياتها.
وثائق حرب اكتوبر 1973 لم تكتمل، إلى اليوم وبعد مرور 32 عاماً على نشوبها، لكن كتاب "المحدال ـ التقصير" الذي حرره بعض أبرز المراسلين العسكريين الاسرائيليين، يحتاج إضاءة جديدة.. واضافات، بعد صدور كتاب "الجنون من دون غفران" لاثنين من أبرز ضباط جهاز "الموساد" الاسرائيلي.
من بين مقالات محرري "المحدال" علقت في الذاكرة مقالة معينة، ربما لذكاء عنوانها: "لهم عيون ولا يبصرون". الآن، نعرف من الكتاب الاسرائيلي، لمناسبة التوقيت العبري لحرب اكتوبر/ العبور، أو حرب يوم الغفران/ كيبور، ان "العمى" لم يكن "أساساً" في العيون (المخابرات) ولا في "القلوب" بالضبط، ولكن في "العقول" السياسية الإسرائيلية.
ملخص قصة حرب أكتوبر، في ضوء مستجدات "التقصير السياسي" لا "التقصير الأمني" يعتبر، مع ذلك، ملخصاً كلاسيكياً إلى حد مدهش، وهو: "من خادعك فانخدعت له فقد خدعته". هذه لم تكن، فقط، حرب خداع ومناورات بين عقول عسكرية وأمنية، بل، أساساً، بين عقول سياسية.
مثلاً، أحد ألمع العقول العسكرية المصرية في تلك الحرب، وهو الفريق سعد الدين الشاذلي، نصح الرئيس السادات بالانسحاب من القطاع الضيق المحرر شرقي قناة السويس، للإجهاز على "قوات الثغرة" الإسرائيلية غرب القناة، بقيادة ارئيل شارون. هذه تبدو نصيحة صحيحة في اللوجستيك العسكري، لكن في اللوجستيك السياسي يعترضها سؤال: ماذا سيقول الرئيس السادات لشعبه الذي "انتشى" بالعبور وبتحرير جزء من أرض سيناء بالقوة؟.
بعد إقالة السادات لرئيس أركانه الشاذلي، عادت سمعته السياسية في الشارع العربي للانهيار، بينما احتكر الشاذلي "الوهج"، ودفع بالفريق عبد الغني الجمسي، الجندي المنضبط، إلى الظلال، وهو والمشير أحمد اسماعيل.
الرئيس السادات دفع حياته ثمناً للقرار السياسي اللاحق لقرار الحرب، أي معاهدة سلام كامب ديفيد. ولاحقاً، سيدفع الجنرال رابين، البطل الفعلي لحرب حزيران وليس وزير الدفاع موشي دايان، حياته ثمناً لقرار أوسلو السياسي، وعرفات راح ضحية عناده السياسي من كامب ديفيد الفلسطيني ـ الاسرائيلي وليس بسبب الانتفاضة.
المهم، أن الكتاب الإسرائيلي يركز على مسؤولية "العمى السياسي" الذي أصاب موشي دايان وغولدا مائير. لقد فكرا كالآتي: سنتظاهر بابتلاع "سمكة البلاستيك"، وسنلقن المصريين هزيمة عسكرية، من عيار هزيمة حزيران 67، وستليها هزيمة سياسية بفرض استسلام سياسي على القاهرة، ودفعها للتخلي السياسي عن سيناء. لقد انقادا الى حلم "اسرائيل الكبرى"، كما انقاد شارون، وزير الدفاع 1982، وراء حلم "شرق أوسط جديد" بدءاً من لبنان.
للحروب نتائجها الميدانية، وهذه تقاس بنتائجها السياسية اللاحقة. حروب التحريك المحدودة، مثل حرب أكتوبر وحرب الانتفاضة، قد تكون أهم من حروب الحسم.. إذا امتلكت الأولى أفقاً سياسياً معقولاً، بينما قد تنتهي "حروب الحسم" نهاية متواضعة أو سيئة إذا رافقتها أحلام سياسية جامحة.
ليس السؤال: من انتصر ومن انكسر في حرب اكتوبر وحرب الانتفاضة، بل من سينتصر في حرب خارطة الطريق، بدءاً من "فك الارتباط". الحرب مركب خشن.. وأما الحل السياسي فهو مركب خطير. الرأي السديد قبل الشجاعة المتهورة.
صدفة أم لا، فالقرار السياسي العربي من قمة ليبيا نوع من "حرب تحريك" سياسية هذه المرّة!

