حياتنا - الله بالخير
الكاتب: حافظ البرغوثي
رايه نيوز: كان عنوان عموده اليومي الساخر «الله بالخير» وكان أسلوبه في الكتابة مغايرا للسائد في الصحافة العربية والكويتية. ولعله من صانعي المدرسة الصحفية الكويتية وهو الرجل الذي طردني من صحيفته ذات سنة لعدم صلاحيتي للعمل الصحفي في نظره لصغر سني آنذاك، انه الاستاذ الكبير والمحامي القدير والقومي الناصري محمد مساعد الصالح القناعي «ابو طلال» تذكرته يوم امس وأنا اقطف ثمار الزيتون، ففي عام 1990 بعد غزو الكويت وبعد موسم الزيتون ذهبت الى عمان فإذ بوفد شعبي كويتي يزور الاردن لشرح قضية احتلال الكويت، وكان من بين اعضائه وكان اعضاء الوفد من القوميين الكويتيين المعروفين، فسألني ما العمل؟ فقلت: لقد انتهيت توّاً من موسم الزيتون ولدي 25 جرة زيت فان اردتموها تبرعت بها. كان ابو طلال صاحب نكتة سريعة يبتسم دوما يعالج المسائل المستعصية بسخريته القلمية الفريدة، وهو مَن شجع العبد الفقير لله على الكتابة بسخرية ووقف بعد نشر اول مقال ساخر ليقول في مجلس التحرير اليومي مادحا وهذا حفزنا على العمل في اكثر من مجال سواء الاقتصاد او المحليات او الشؤون العربية.
ابو طلال ظل وفيا لقلمه، لم يمارس التجارة الصحفية قط، كان يدرس من يعمل في صحيفة الوطن نفسيا وفكريا ولا يصدر اوامر يومية، فهو مقتنع بخياراته ولا يتدخل في التحرير قط، لأنه واثق من ان جهاز التحرير قومي وطني شريف لا يتاجر في الصحافة، ولهذا لم ينسجم العبد الفقير في العمل الصحفي في صحف اخرى لأنه لا يحب تلقي الاوامر من احد وهو لم يتاجر بصحيفته التي صعدت خلال سنوات قليلة بعد صدورها لتكون الاولى توزيعا وبخطها الوطني والقومي بعكس بعض الصحف الاخرى التي كانت تتلقى اموالا من انظمة خارجية، فذات سنة زرت احدى الدول وكتبت عنها، في الوطن وبعد فترة وصل الى الصحيفة كتاب من تلك الدولة مفاده انها تشكرنا على ما نشرناه وانها قررت تخصيص 50 الف دولار دعما للصحيفة، فاستدعاني ابو طلال واطلعني على الكتاب وهو يضحك ثم كتب عليه: نأسف لعدم قبول أي دعم مالي.
ما يقال عن هذا الرجل العملاق يستحق صفحات طويلة. فهو التزم بالقومية وهو نصير مخلص للقضية الفلسطينية جمع لها التبرعات عبر صحيفته وارسلها الى ايتام الدامور وتل الزعتر، وداخل الارض المحتلة واتخذ موقفا معارضا للانظمة التي كانت تقاتل الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية، وتبرع شقيقه الاكبر ببناء مسجد في قريتنا. وعندما قرر الفنان الخالد ناجي العلي تسفير نفسه من الكويت لضغوطات من التيار الديني الكويتي - وكان يعمل في صحيفة السياسة - اصطحبته الى «ابو طلال» وكان الاتفاق على ان يرسم ناجي في «الوطن» ويرسل رسوماته من لبنان. حيث كنت ارى في انضمامه الى «الوطن» مكسبا، وبما انه كان هناك رسام كاريكاتير مصري على الصفحة الاخيرة فقد احتار ابو طلال لأنه لا يريد المس بالزميل المصري، فهو مصري الهوى والدراسة، فاقترحت وضع رسومات ناجي على الصفحة الاولى وهكذا كان. وصرت انشرها على الاولى وكان يفتح صحيفته للمعارضة المصرية القومية وغيرها ويفسح المجال لهم للكتابة في الوطن كمورد رزق، ولهذا احتضن قلم احمد بهاء الدين وفهمي هويدي وفيليب جلاب ومجدي نصيف، ثم احتضن الاستاذ محمود المراغي وعبد الرحمن الخميس وغيرهم كما احتضن اقلاما كويتية كثيرة مثل الراحل احمد الربعي وعايد مناع وغانم النجار واحمد الدعيج وسليمان الفهد وغيرهم واحتضن اقلاما فلسطينية كثيرة.
ابو طلال يرحل بعد مشوار نضالي في الصحافة وبعد ان باع حصته في الصحيفة التي أشهرها واشهرته بعد غزو الكويت، لأنه كقومي صدم من الاحتلال وصدم من ان دعاة القومية سلموا الامة لاعدائها. التقيته ذات سنة في دبي وكانت صحته ليس على ما يرام ثم هنأته على جائزة الصحافة العربية وكنت بين الحين والآخر اتصل هاتفيا به في الكويت، فهو استاذي الذي اخذ بيدي في الصحافة، فقد تتلمذت في صحيفته، ودخلتها بعد محاولات عدة فاشلة، فبعد صدورها عام 1975 حاولت العمل فيها فرفض طلبي، ثم بدأت أمدها بمواضيع ينشرها مدير التحرير السوري الاستاذ محمد خالد قطمة، وذات يوم وقعّ ورقة لدفع مبلغ 25 دينارا مقابل المواضيع التي نشرت، ولسوء حظنا كان المحاسب غائبا وكان يجلس في مكانه رئيس التحرير ابو طلال، قدمت الورقة فنظر الي وقال: انت ما زلت صغيرا فما الذي نستفيده منك؟ ثم وقع الورقة وقال لا نريد مواضيع منك. كانت تلك صدمة لي كعاشق للصحافة، ولكني لم استسلم وارسلت قصيدة وتم نشرها فاستحسنها مدير التحرير واستدعاني مقررا توظيفي نصف دوام، لكنه قال: عليك أن تطلّق الشعر إن عملت في الصحافة، وبعد شهر استدعاني ابو طلال وعرض العمل متفرغا وكان ان حمل موضوعا اعددته ونزل الى المطبعة وطلب من قسم التنضيد بالرصاص آنذاك وضع اسمي حرف 18 أسود. لن انسى هذا الرجل الكبير ودفعه لنا يوميا لكي نعمل وننجح ولن انسى مواقفه القومية والوطنية، واحتضانه للاقلام العربية القومية، فان كنت ابكي ثلاث مرات في السنة في مناسبات محددة فقد بكيت امس للمرة الرابعة. فامثال ابو طلال قلة لأنه من الرجال المحترمين في عالم الكلمة، ففي أمان الله يا صاحب الله بالخير.



