المجتمعات الغربية تستشعر وطأة الازمة الاقتصادية
الكاتب: د. بشير موسى نافع
رايه نيوز: أهداني صديق قبل أسابيع قليلة جهاز 'أي ـ باد' الصغير، الذي قدمته شركة أبل للأسواق مؤخراً. الذي شجعني على اقتناء الجهاز كان الاعجاب البالغ الذي تحدث به بعض الأصدقاء عن الإمكانات التي يوفرها الجهاز. لشخص مثلي، اعتاد منذ سنوات استخدام جهاز كومبيوتر محمول، صغير الحجم، لم تكن النقلة واسعة، بالرغم من أن الجهاز الجديد يحتوي عدداً من التطبيقات المدهشة. ولكني سرعان ما اعتدت الجهاز الجديد، وما يوفره من إمكانيات.
والمسألة هنا لا تتعلق بالمفاضلة بين مختلف هذه الأجهزة الحديثة وفوائدها، فذلك شأن دوريات وصفحات متخصصة، لا شأن هذه المساحة المحدودة. المسألة هي الزمن القصير الذي يتحول فيه منتج إلكتروني جديد إلى ضرورة حياتية، تفتقد حين تغيب، ويصعب التخلي عنها، إلا بمنتج شبيه يفوقها إمكانيات وتسهيلات. نحن نعرف منذ زمن بالتأكيد أن الرأسمالية لا تنتج الأشياء وحسب، بل وتولد الحاجة للأشياء. وبالرغم من وعينا العميق بهذه الحقيقة، فإن المناخ الثقافي الذي نعيش فيه يجعل من أغلبنا مساهمين فعليين في لعبة الأشياء والحاجة والشراء، التي تميز عصرنا. كانت الحياة تسير في شكل طبيعي ومعقول قبل اختراع جهاز التلفاز؛ ولكن ما أن بدأت الأسرة الحديثة في اقتناء هذا الصندوق بالغ التأثير حتى أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة 'الطبيعية'. وبالرغم من الإزعاج الهائل الذي يولده الهاتف المحمول، واختراقه السريع والمتزايد لخصوصيتنا الحياتية، فقد تحول في سنوات قليلة إلى آلة لصيقة بشخصياتنا، بالرغم من أننا نذكر أن الحياة كانت ممكنة إلى حد كبير قبل أن نبدأ وزوجاتنا وأبناؤنا في شرائه، بدون تفكير مسبق في أغلب الأحيان.
هذه ليست محاولة في تقديم لائحة إدانة للثقافة الرأسمالية الحديثة؛ فهذه موضوعة أكبر بكثير من مقالة أسبوعية، في دورية يومية. وهي موضوعة حمالة أوجه، كما يعرف أغلب أبناء هذا العصر؛ أو هكذا يعتقد قطاع واسع منا. ما أعاد تذكيري بهذه الخاصية الرأسمالية النافذة، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، كان حركة الاحتجاج العمالية واسعة النطاق، التي تشهدها فرنسا، وإيطاليا. ولولا أن الحركة العمالية تعرضت لضربات قاصمة في بريطانيا، وهي حركة ضعيفة أصلاً في ألمانيا، لكانت موجات الاحتجاج الشعبي العمالي قد اتسعت نطاقاً. ما لا يمكن تجاهله، على أية حال، أن امتعاضاً شعبياً عميقاً وواسعاً يمكن تسجيله في معظم الدول الغربية الصناعية على جانبي الأطلسي، من اسبانيا إلى فرنسا، ومن بريطانيا إلى الولايات المتحدة. الرئيس الامريكي باراك أوباما، الذي سجلت شعبيته معدلات مرتفعة في شهور إدارته الأولى، يعيش اليوم فترة انفضاض شعبي مذهلة، بالرغم من الإنجازات التشريعية الكبيرة التي حققها في أقل من نصف عمر إدارته، ومن حجم الانفاق الحكومي المذهل الذي ضخه في الاقتصاد الامريكي. السبب خلف انهيار شعبية الرئيس الشاب هو أيضاً الاقتصاد، والصعوبة الملموسة التي يجدها الاقتصاد الامريكي المتثاقل في الخروج من الأزمة المالية الاقتصادية وآثارها.
في بريطانيا، وصلت مديونية الدولة مستويات غير مسبوقة منذ الحروب النابليونية، مما دفع حكومة الإئتلاف المحافظ الليبرالي إلى اتخاذ خطوات كبيرة لتخفيض الإنفاق الحكومي، ستمس حياة عشرات الآلاف من أسر العاملين في السلك العام، ومن ثم نظرائهم في القطاع الخاص. فبالرغم من الوعود الكبيرة لسياسات الاقتصاد النيو ليبرالي منذ ثمانينات القرن الماضي، لم تزل الدولة هي مصدر الإنفاق الأكبر في الأنظمة الرأسمالية. عندما تتوقف الدولة عن بناء المدارس والمستشفيات، أو تجديد القديم منها، وعندما تقلص الدولة من مشاريع شق الطرق وإنشاء الجسور، لا يتأثر القطاع العام وحسب، بل والقطاع الخاص أيضاً. ويتوقع أن تشهد بريطانيا خلال الشهور القليلة القادمة معدلات بطالة لم تعرفها منذ ثورة حكومة مارغريت تاتشر الاقتصادية قبل ثلاثين عاماً. وكانت مشكلة شد الأحزمة على البطون وتقليص الإنفاق الحكومي ورفع معدلات الضريبة قد أصابت اليونان أولاً، وولدت حركة تظاهر نقابية واسعة. ولا تختلف الاحتجاجات الفرنسية كثيراً في دوافعها، بالرغم من أن السبب المباشر لها كان تعديل قانون التقاعد. المشكلة التي تعيشها الاقتصادات الغربية كلها تقريباً، تحت عناوين ومسميات مختلفة قليلاً بين دولة وأخرى، أن الاقتصادات الغربية تواجه معضلة متفاقمة لم تعد تعرف لها حلاً ناجعاً بدون آلام: أن معدلات الإنفاق تفوق بكثير الموارد والثروات، وقد وصلت الفجوة بين الإنفاق والموارد مستويات لم يعد من الممكن تجاهلها، بدون مواجهة خطر الانهيار أو الإفلاس. يتعلق أحد الأسباب الرئيسة خلف هذه الظاهرة بطبيعة النظام الرأسمالي نفسه، تلك التي أشير لها أعلاه. المجتمعات الغربية الرأسمالية هي مهد الراسمالية الأول، وهي التي تتأثر قبل أية مجتمعات أخرى بالقوة الرأسمالية الدافعة لتوليد الحاجات، وتوفير سيل لا ينقطع من الأشياء. ولأن عجلة الاشياء/ الحاجات لا بد أن تستمر في الدوران، فقد تطور النظام المالي في هذه الدول ليتيح الاستدانة السهلة والسريعة، للأفراد والأسر والدول على السواء. ما لا تتوفر الموارد الكافية في هذه اللحظة لامتلاكه، يمكنك بسهولة وسرعة اللجوء للاقتراض للحصول عليه. وليس عليك بالضرورة أن تفكر ملياً في عواقب الاقتراض اللحظي والغريزي. وربما يذكر كثيرون أن ما أطلق الأزمة المالية الاقتصادية في خريف 2008 كان عبء الديون الهائلة التي عانت منها مؤسسات مالية أميركية كبيرة، والتي سرعان ما أدت إلى انتشار الأزمة المالية في معظم دول المنظومة الرأسمالية، وتفاقمها بالتالي إلى أزمة اقتصادية. وكان العلاج الذي لجأت إليه الدول الرأسمالية الرئيسية للأزمة من جنس الداء، بحيث قامت الدول بعمليات اقتراض هائلة، في محاولة لتخفيف آثار الأزمة، ومنعها من التحول إلى انهيار اقتصادي واسع النطاق كذلك الذي شهده العالم في نهاية العشرينات ومطلع الثلاثينات من القرن الماضي. أحداً في الطبقات الغربية الحاكمة لم يجرؤ على التعامل مع أصل الداء، ومواجهة خصائص الظاهرة الرأسمالية نفسها.
بيد أن ثمة سبباً آخر خلف هذه المعضلة، يتعلق بالتحولات الاقتصادية البنيوية التي يعيشها العالم منذ عقدين أو ثلاثة عقود. فمنذ بداية القرن التاسع عشر، وحتى الربع الأخير من القرن العشرين، والاقتصاد العالمي تقوده مجموعة صغيرة من الدول، تمتص الجزء الأكبر من الخامات المتاحة، وتنتج الجزء الأكبر من البضائع المصنعة أو التحويلية، وتعتبر الساحة الأساسية للاستثمارات المالية العالمية. وبالرغم من التنافس الطبيعي بين اقتصادات هذه الدول على جانبي الأطلسي، احتفظت معاً بقرار تحديد أسعار المواد الخام، من القطن إلى القهوة، وأسعار المنتجات الصناعية، من السيارة إلى الطائرة، وأسعار الفائدة على الاستثمارات أو القروض المالية. في أوقات متباعدة، ولأسباب استراتيجية ملحة، سمح أعضاء هذا المنتدى الصغير بالتحاق عدد آخر من الاقتصادات النامية؛ كما حدث في حالة اليابان وبعض دول شرق آسيا الأخرى، التي اعتبر التحاقها بمجموعة الدول الصناعية الرأسمالية حصانة لها أمام التمدد الشيوعي خلال سنوات الحرب الباردة. ولكن النظام الاقتصادي العالمي لم يعد من الممكن التحكم فيه، على أية حال.
لاستمرار عجلة النمو الرأسمالي، كان لا بد من تحرير ولو نسبي لحركة التجارة والمال والعمالة. ولتوكيد الانتصار الرأسمالي، كان لا بد من إقناع عدد متزايد من الدول باعتناق النموذج الرأسمالي النيو ليبرالي الجديد. وعلى نحو ما، لم يعد ثمة من سر خلف عملية النمو الرأسمالي، في الوقت الذي تصاعدت الطموحات الشعبية لتحقيق وعود الرفاه التي يستبطنها سيل لا ينقطع من الصور التي تحملها وسائل الاتصال الحديثة. خلال فترة قصيرة نسبياً من الزمن، كان عدد متزايد من الدول يفرض وجوده في قلب النظام الاقتصادي العالمي، من البرازيل إلى الصين، ومن تركيا إلى الهند. ارتكزت القوى الاقتصادية الجديدة إلى وجود كتلة كبيرة من العمالة الرخيصة، إلى شريحة متعلمة واسعة، إلى مواقع جيوبوليتيكية مناسبة، إلى تقاليد ثقافية راسخة، وإلى قرارات سياسية ذكية ومثمرة. ولكنها استطاعت كل على انفراد، وبدون تخطيط جماعي مسبق، أن تصبح منافساً ملموساً للاقتصادات الغربية، الكبيرة منها أو المتوسطة. تتمتع أغلب الاقتصادات الجديدة اليوم بمعدلات نمو كبيرة، بينما تجر الاقتصادات الغربية أقدامها مثقلة بمعدلات نمو منخفضة لفترات زمنية طويلة.
وقد باتت الاقتصادات الجديدة منافساً جاداً في سوق منابع الطاقة، في أسواق المواد الخام، وفي ساحة التجارة العالمية. وبالرغم من أن ليس من دليل واضح وصريح على تبلور تكتلات اقتصادية جديدة، أو مواجهة اقتصادية عالمية، فالمؤكد أن سياسات هذه الدول تستبطن عزماً لا يخفى على كسر احتكار دول المنتدى الغربي للقرار الاقتصادي العالمي. ولعل اتفاقات التعاون الضخمة بين الصين وكافة الاقتصادات الرئيسة الجديدة توفر مؤشراً إلى هذا التوجه. المهم في النهاية أن الأسواق الجديدة باتت ساحة مافسة للاستثمارات المالية وفائض رأس المال العالمي. عندما تكون السوق الصينية أو التركية أكثر استقراراً من السوق الفرنسية، وعندما تكون حسابات الربح والخسارة في السوق البرازيلية أكثر يقيناً من نظيرتها الاسبانية، فمن الطبيعي والمنطقي أن تحصل هذه الأسواق على نصيب متزايد من الاستثمارات التي اعتادت السوق البريطانية والألمانية والامريكية على احتكارها حتى زمن قريب جداً. وهذا هو الوجه الآخر لمعضلة الاقتصادات الغربية التقليدية، والصعوبة المتزايدة التي تواجهها للخروج من دائرة الأزمة.
مشكلة النظام الغربي الرأسمالي التقليدي الكبرى مع الشركاء الجدد، الذين يتزايد عددهم من عام إلى آخر، أنهم جميعاً يلتزمون بقواعد العملية التي وضعتها القوى الغربية ذاتها، وأنهم يحرصون حرصاً مبالغاً فيه أحياناً على الانضواء تحت راية المنظمات المالية والاقتصادية التي أقامتها القوى الغربية ووضعت قوانينها، من البنك الدولي وصندوق النقد إلى منظمة التجارة العالمية. واجهت دول المنظومة الرأسمالية الكتلة الشيوعية بعزلها عن النظام الاقتصادي العالمي، لأن الكتلة الشيوعية لم تخف عداءها للنظام ورغبتها في تقويضه. ولكن مواجهة مالية واقتصادية مع الصين أو البرازيل أو الهند وتركيا لن تؤدي إلا إلى تقويض المعبد برمته على رؤوس الجميع، بعد أن باتت هذه الاقتصادات جزءاً لا يتجزأ من العجلة الاقتصادية العالمية.



