هل الأدب بوصلة السياسة؟!
الكاتب: يوسف أبو عواد
راية نيوز: ليست بخير تلك الأمة التي يقصى فيها الأدباء والمثقفون، ليست بخير تلك الشعوب التي يُهَمَّشُ فيها الأدب والأدباء، وإذا كان هذا هو المتوقع من المحتل والمستعمر، إمعاناً في تجهيل الناس، وإماتة ضميرهم الحي، وتنويم وجدانهم المُتَيَقِّظ الذي يمثله الأدب والأدباء وصفوة المثقفين، فليس مقبولاً من الحكومات والسلطات الوطنية، بحالٍ من الأحوال، وتحت أي ذريعة، أن تضع مقاعد الأدباء والمثقفين في الصفوف الخلفية في مشهد الحراك السياسي. لأن الأدب وإن كان يخضع لسلطة السياسي، صاحب القرار، إلا أن الأدب والأدباء، متقدمون في فكرهم على الساسة والسياسيين، دون الانتقاص من عبقريتهم ودهائهم السياسي.
هكذا كان الأدب في الماضي، بوصلة السياسة، وسابقا لها بنبوءاته وإرهاصاته، تماماً كما هو الخيال، بوصلة العلم، والسابق له، المتقدم عليه، وسيظل كذلك طالما أن الأدباء والمثقفين يجسدون ويصورون الحالة الاجتماعية والاقتصادية والمزاج العام لشعوبهم، هذه الحالة وذلك المزاج اللذان يخضعان لإسقاطات السياسة ومخرجاتها.
لقد لعب الأدب وأرباب القلم من أدباء ومفكرين وعلماء دوراً محورياً في الثورة الفرنسية التي غيرت وجه التاريخ في أوروبا انطلاقاً من فرنسا، تلك الثورة التي يظل ظهورها مدينا بشكل كلي لرجال الأدب، لدرجة استلهمت اللغة المستعملة في السياسة نفسها شيئا ما من اللغة التي كان يتكلمها الأدباء والمثقفون، حتى أنها تشبعت بالتعبيرات العامة والمصطلحات المجردة، وغيرها من الكلمات الدالة على الطموح وبذات الجمل الأدبية.
وحين أستحضر هذا الماضي المشرف للأدب ورجاله، فإنني أقف مصدوماً أمام الحراك الخجول للأدب والأدباء في المشهد العام، الذي امتلأت فيه مقاعد الحاضرين، بالساسة والسياسيين، وأصبح المثقفون يختلسون النظرات من وراء النوافذ الخلفية، في تراجع مفزع للأدب الذي هو مرآة الأمة، هذا التراجع الذي لم يشهد له نضال الشعب الفلسطيني مثيلاً منذ انطلاق ثورته المجيدة بقيادة الرمز الخالد ياسر عرفات، تلك العقود الذهبية التي تألقت فيها رموز وعناوين إبداعية، كان عطاؤها في حراسة الذاكرة وتعبئة الجماهير، صنو البارود والنار وبطولات الثوار... فأين هي مكانة الأدب في هذه المرحلة وأين هو دور الأدباء الذين يعانون من التهميش، في ظل الحظوة التي يستظل فيها رجال المال والأعمال، حتى بمن فيهم من ترتسم علامة استفهام كبرى على مصادر ثرائهم!!!
وعودا على بدء، أقول: أين هو دور الأدباء في جهود المصالحة الوطنية؟ أين دور اتحاد الكتاب والأدباء، واتحاد الصحفيين؟ وهل فعلاً كانوا بوصلة دقيقة ترشد الساسة لاتجاه الشمال؟؟
أعتقد أن الأدباء قد ارتضوا بدورهم الثانوي، بديلاً عن الدور الطليعي، وصار مدادهم مسخراً في خدمة فكر السياسيين، وبالشكل الذي يخدم مصلحة السياسي، لا بما يعبر عن قناعات الأدباء أنفسهم، وهذه هي الطامة الكبرى، حين يتحول المُرشد إلى ضرير ينقاد ولا يقود!! ما يستدعي إعادة نظر في تعريف جديد للأدب وتصنيف مُحَدَّثْ للأدباء أو من يقال عنهم أنهم أدباء!!
وأخيراً على ذكر المصالحة الوطنية والجهود التي تبذلها الشقيقة مصر، ومساعي الشخصيات الوطنية، هل استمع أحد الساسة لوجهة نظر الأدب في مستقبل المساعي التي تبذل؟ لقد قلتها للدكتور محمود الهباش في الرياض قبل عامين أن المصالحة التي نصلي لإتمامها ليل نهار لن تتم، لأن الآخر لا يريدها أو بمعنى أصح من هم وراءه لا يريدونها، فهل فكر الساسة فيما يمكن من حلول عملية بعدما يصبح هلال فشل المصالحة بدراً؟؟؟
يوسف أبو عواد



