تقاطع المواقف عند مفترق الحل المؤقت
الكاتب: د.عبد المجيد سويلم
رايه نيوز: يقال ان الإدارة الأميركية طلبت من اسرائيل أن تقوم هذه الاخيرة بتقديم تصورها للحل السياسي بما يشمل كافة قضايا الحل النهائي، وهو الأمر الذي حدا برئيس الوزراء الاسرائيلي الى الهروب الفوري من هذا الطلب بالإعراب عن صعوبة الحل على كافة القضايا في اطار زمني محدود (لا يزيد عن العام الواحد) وهو ما يجعل الحل المؤقت هو الحل الوحيد الممكن في هذا الاطار الزمني القصير. ويقال ايضاً ان ليبرمان يعكف في وزارة الخارجية على وضع مسودة "متكاملة" للحل المؤقت وبما يبقي الضفة الغربية تحت الاحتلال مع زيادة هوامش الإدارة الفلسطينية للتجمعات السكانية مع تسهيلات اقتصادية للمدى المتوسط وصولاً الى رفع مستوى حياة السكان الى ما يقارب مستوى حياة الاسرائيليين كما جاء في بعض وسائل الإعلام الاسرائيلية، وهو الأمر الذي سيؤدي حسب رأي ليبرمان الى قبول الفلسطينيين للحل السياسي الدائم وفق الترتيبات الاسرائيلية وبحيث لا تعود المطالب السياسية الفلسطينية ملحة أو ذات أهمية أو أولوية اذا ما توفر الرخاء الاقتصادي، ولهذا فقط يمكن ان يوافق الشعب الفلسطيني على الرؤية الاسرائيلية للحل ولهذا فقط يمكن للعالم أن يساهم في صنع السلام في هذه المنطقة.
أما ما يقال عن الرؤية الاميركية التي يجري إعدادها الآن والتي من المتوقع ان ترى النور في الاسبوعين القادمين فهو يبعث على الاستهجان اذا صحت الأنباء التي تسربت حول هذه الرؤية.
فقد بات في حكم المؤكد ان الإدارة الاميركية التي "تستجلي" المواقف الاسرائيلية والفلسطينية والى حد ما المواقف العربية لديها ثلاثة تصورات أولية للحل:
الاول: من الصعب العودة الى حدود الرابع من حزيران والافضل ان يعاد النظر في هذه الحدود دون الإجحاف بحجم الدولة الفلسطينية، وهو أمر خطير الى أبعد حدود الخطر لأنه ينطوي على عملية تبادل للأراضي قد تكون اكبر بكثير من النسب التي تم الحديث عنها وقد يكون التصور الاميركي في هذا الاطار هو اعادة شاملة لترسيم الحدود بما يقضم الكثير من الاراضي التي تشغلها المستوطنات بما في ذلك مستوطنة ارئيل وكل المستوطنات الرئيسية وبما يبقي منطقة اللطرون تحت السيادة الاسرائيلية وربما كامل ما يسمى بمنطقة القدس الكبرى باستثناء الممر الذي يوصل الفلسطينيين الى القدس القديمة.
الثاني: العودة عن خطة حوتز الأمنية والتوجه الى خطة جديدة هي اقرب الى المفهوم الاسرائيلي للأمن وخصوصاً في الأغوار حيث تقترح أميركا بهذا الشأن سيطرة أمنية كاملة لإسرائيل وامكانيات حقيقية للتحرك السريع والتدخل المباشر بواسطة أجهزة الإنذار المبكر لمواجهة "الأخطار" المحتملة للحرب على الجبهة الشرقية.
الثالث: سيطرة اسرائيلية على الاجواء وضمان عدم تسلح الدولة الفلسطينية وضمان حد أدنى من الرقابة الاسرائيلية على المعابر والحدود.
وترى الادارة الاميركية ان مسألتي القدس واللاجئين يمكن ان يتم التوافق عليهما بعد الاتفاق على القضايا الآنفة الذكر.
اذا أمعنا النظر في هذه النقاط الثلاث فإن الولايات المتحدة من حيث الجوهر هي اقرب الى حل الدولة المؤقتة وهو اقرب الى المواقف الاسرائيلية حيال قضايا الأمن اضافة الى كونه اقرب بما لا يقاس ويتقاطع بشكل واضح مع مفهومي كل من نتنياهو وليبرمان حول تأجيل الاتفاق على قضايا اللاجئين والقدس.
إذا اصبح التقاطع واضحاً وأصبحت الادارة الاميركية اليوم تتبنى جوهر المواقف الاسرائيلية حتى وإن اختلفت مع اسرائيل في قضية هنا وأخرى هناك، وحتى لو ان الادارة الاميركية لا تتبنى بالضرورة التفاصيل التي تراها اسرائيل ضرورية وحيوية بالنسبة لها.
اذا كان ما يقال حول مواقف الادارة الاميركية صحيحاً - وأغلب الظن ان هذه النقاط قد نقلت على لسان ديفيد هِل - فإن أقصى ما يمكن ان يتبلور بعد مرحلة الاستجلاء لن يغير في جوهر المواقف التي باتت تتبناها الادارة الاميركية لأن السقف الذي يمكن ان تصل اليه المواقف الاميركية هو دون الحد الادنى الذي يمكن ان يقبل به الشعب الفلسطيني، والفجوة هنا اكبر وأكبر بكثير مما يمكن ردمها تحت اي مسمى وفي اطار اية معالجات "إبداعية".
لا مجال أمامنا غير أن نكون واضحين أشد الوضوح وصادقين مع أنفسنا ومع غيرنا الى آخر درجات الصدق. ليس من مصلحتنا أن نطعم انفسنا الكثير من الجوز الفارغ لأن التقاطع بين مواقف اسرائيل ومواقف الادارة الاميركية بيّن ولا يحتاج الى تفسيرات واجتهادات من اي نوع كان. ونحن يجب ان نعد انفسنا لمرحلة ما بعد الطروحات الاميركية حيث لم تنس الادارة الاميركية تذكيرنا بأن الذهاب الى مجلس الأمن ربما سيجلب علينا الخراب وربما سيشكل مرحلة فاصلة في علاقات الولايات المتحدة بنا. موقف القيادة الفلسطينية كما نعرف وكما هو متوقع منها كقيادة وطنية مسؤولة كان بأن أعادت التأكيد على ثوابت الموقف الوطني على الشكل التالي:
أولاً: لا مفاوضات في ظل الاستيطان وهذه القضية ليست مطروحة للنقاش او التفاوض.
ثانياً: لن نقبل بجندي اسرائيلي واحد على أرض الدولة الفلسطينية المستقلة ومستعدون لأية اقتراحات عملية لأي تواجد دولي متفق عليه.
ثالثاً: لا نقبل مشاريع مؤقتة ولا حدود مؤقتة ولا دولة مؤقتة ولن نقبل تجزئة الحقوق والقضايا او تأجيلها والحل واحد على كافة القضايا وإنهاء الصراع منوط ومرتبط بالحل الدائم والشامل والعادل.
صمود القيادة الفلسطينية هو الذي سيجبر الولايات المتحدة على اعادة النظر برؤيتها وهو الذي سيؤزم الموقف الاسرائيلي وربما سيؤدي الى انهيار الائتلاف الحاكم فيها، وهذا الصمود هو الذي سيعزز من فرص المصالحة اذا كان هناك من فرص وهذا الصمود هو الذي سيعيد للشعب الفلسطيني الأمل وهو الذي سيمكن هذا الشعب من استعادة وحدته رغم كل العراقيل ورغم عنتريات اقطاب الانقسام.
الصمود السياسي سيحرج كل اصحاب المشاريع التصفوية والمشاريع الانقسامية والانهزامية وهذا هو بيت القصيد.



