حرب الأيام الثمانية... وصمة نالها نتنياهو بجدارة
الكاتب: عمر أبو عرقوب - هنا القدس
قد نستذكر حرب الأيام الستة لتقاربها في اللفظ من حرب الأيام الثمانية، إلا أن هناك مفارقات عدة، حيث استطاعت المقاومة الفلسطينية أن تقلب نتائجها، فحرب الأيام الستة شهد العالم خيبتها في وجوه القادة العرب، إلا أن القادة الغزيين الفلسطينيين في الأيام الثمانية استطاعوا تقليد نتنياهو وصمة نالها بجدارة.
وشهدت كافة مناطق قطاع غزة الفرحة التي انتظروها بفارغ الصبر، المجبول بدماء أطفالها وشيوخها وشبابها، حتى الضفة ومدنها استطاعت الاحتفال بما أوتي لها من نصيب، فالفرحة التي عاشها الفلسطينيين بعد إعلان اتفاق التهدئة، كان دليلا على الإرادة الفلسطينية لن تهزم، الأمر الذي دفع الإعلام "الإسرائيلي" للاهتمام به.
فمكاسب المقاومة السياسية على أرض الواقع، دفعت الجماهير للاحتفال بالنصر، واعتبرت القناة "الإسرائيلية" الثانية عبر محلليها، أن فرحة الشارع الفلسطيني بإعلان التهدئة، يعتبر فشلا "لإسرائيل"، حيث وصف البعض الاتفاق بالمشؤوم.
وأشارت صحيفة "هارتس" إلى أنه في الرصاص المصبوب أعلنت حماس نصرها لكن الجمهور لم يكن مصدق لها، ولكن في هذه الحرب، الجمهور الذي يكره حماس ولم يكن مناصرا لها احتفل بالنصر، وأكد أن قوتها السياسية عظمت.
تصريحات بعد التهدئة
لم يكن خافيا على أحد، مظاهر الحزن والبؤس على قادة الاحتلال "الإسرائيلي"، وقت الإعلان عن التهدئة، وربما عبرت عنه كلماتهم وتعقيباتهم فيما بعد.
وزير جيش الاحتلال "ايهود باراك"، قالها صباح الخميس، أنه لم يكن من المتوقع أبدا، أن حماس ستخضع على ركبتيها، لكنه أمل في نفس الوقت أن غزة والمقاومة ستوقف شهيتها في ضرب "إسرائيل" والجنوب المحتل.
وأضاف باراك في حديث مع إذاعة الجيش، أنه لا يشتاق للدخول إلى غزة، فالخروج بتحقيق أهداف مناسبة وأضرار قليلة، خير من الخروج بأهداف كاملة وأضرار جسيمة، معتبرا أنه ليس من الحكمة إسقاط نظام حماس في غزة، فربما الوضع سيغدو أسوأ بعدها.
وأكد باراك الحرب حققت أهدافها، وأن حماس هي المسؤولة عن تنفيذ اتفاق التهدئة والالتزام به، مشيرا إلى أن الحكومة "الإسرائيلية" تعي أنه قد تضطر إلى العمل مجددا في غزة، لكننا سنكون مدركين لما نفعل، فالمشكلة ليست في اجتياح غزة، وإنما في طريقة وآلية الخروج.
ومن جانبه حاول رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتياهو، الخروج بموقف المنتصر المحقق لأهدافه، فاغتيال الجعبري، وقصف مناطق إطلاق الصواريخ كما يدعي، والتصدي لصواريخ المقاومة في الجنوب ووقفها حسب الاتفاق، هو الانتصار، لأنه سيسمح "للإسرائيلي" بالنوم الهادئ في الليل، والعودة إلى حياته الطبيعية.
وذكرت صحيفة "هارتس" أن نتيناهو حاول الظهور بمظهر المنتصر، وذلك استعدادا للانتخابات المقبلة، والتي ربما قد تتضاءل حظوظه فيها، فليلة إعلان التهدئة لا شك أنها كانت ليلة حزينة لنتياهو ومرافقيه في الحرب، وزير الخارجية "افيغدور ليبرمان"، ووزير جيشه "ايهود باراك".
وتحدث نتنياهو في تصريحات للإعلام "الإسرائيلي" أن الاتفاق هو عبارة عن اختبار لقدرة حماس على فرض التهدئة في القطاع، معتبرا أنه عمل بمسؤولية تامة خلال الحرب، فالأضرار الإستراتيجية التي ألحقت بحماس فادحة، وخاصة قصف الأنفاق مخازن الأسلحة.
وحسب صحيفة "هارتس"، فإن أرض غزة ليست بيئة مناسبة، لإعطاء فرص وحظوظ أكبر "لإسرائيل" فيها، والآن نتنياهو يتعامل مع غزة مثل سابقيه، وستستمر غزة في سباق التسلح، فالحقيقة أن التهدئة في الجنوب سادت، إلا أن موقف حماس أغدى الأقوى سياسيا على المستوى الفلسطيني والدولي.
"إسرائيل" ترفع الراية البيضاء
وكتبت وسائل الإعلام الإسرائيلية اليمينية، في تعليقها على إعلان التهدئة، أن "الإسرائيليين" تلقوا الخبر بمرارة، وهم يشعرون أنه تم إنهاء العملية العسكرية دون تحقيق أي انجاز حقيقي، بل على العكس أبدت حماس قدرات على إطلاق الصواريخ، حتى وصلت تل أبيب والقدس.
ويقدر المستوى السياسي أن إنهاء نتنياهو للعملية العسكرية في هذا الوقت بالذات، سيؤثر سلباً على وضعه في الانتخابات الإسرائيلية القادمة بعد شهرين، لأن الجمهور لن يسامحه على الأسبوع الصعب الذي لم يحقق فيه ما وعد به.
ومن جهته قال رئيس المعارضة ورئيس حزب كاديما "شاؤول موفاز"، "إن حماس انتصرت في هذه الجولة و"إسرائيل" هي الخاسر الأكبر"، وان إسرائيل لم تحقق أهدافها، ولم تمنح الأمن لسكان الجنوب، ولم تحقق قوة الردع التي خاضت الحرب لأجلها، بينما أعلن كلا من عضو الكنيست عن اليمين "ميخائيل بن آري" و"ارييه الداد" أن وقف إطلاق النار بمثابة رفع الراية البيضاء أمام حماس.
وأضافا، أنه بدلاً من السماح للجيش "الإسرائيلي" بالعمل على تدمير حماس، خرجت حكومة نتنياهو من هذه الحملة وهي تجر ذيول الهزيمة، دون تحقيق أي هدف من أهداف العملية العسكرية التي خرجت إليها.
الجيش والمالية
من جانبهم أعلن الناطقين باسم جيش الاحتلال تصريحات مكملة لاتفاق إعلان التهدئة، حيث أن أي تهديد للجيش و"للإسرائيليين" في الجنوب المحتل، سيتم الرد عليه بصرامة، في رسالة لغزة أننا وقعنا اتفاق تهدئة، لكننا مستعدون للرد.
وأضاف الناطقين باسم الجيش، أن قواته تلقت تعليمات لتنفيذ اتفاق التهدئة، وهو سيقوم بتطبيقه، بينما من المقرر أن يتخذ الخميس القرار بشأن تسريح جنود الاحتياط الذين تم استدعاؤهم أثناء الحرب.
من جهتها رأت وزارة المالية "الإسرائيلية" أن تشرع بتخصيص الميزانيات والتعليمات لتعوض المصانع" والمنازل" والمحلات التجارية التي تضررت من قصف المقاومة أثناء الحرب، لطي هذه الصفحة والانتهاء منها.
وأصدر وزير المالية "يوفال شتاينتس" تعليمات بإعداد خطة تعويض لمناطق الجنوب، حتى يتم المصادقة عليها في أول جلسة للكنيست "الإسرائيلي".
حرب الأيام الثمانية انتهت بخيرها وبشرها، إلا أن الأسئلة تتزاحم حول المستقبل الذي ينتظر الجانبين، فالمقاومة آخذة بالتسلح والتقوي، وتزيد من سقف طموحاتها، أما "إسرائيل" فاتفاق التهدئة مرحلي بالنسبة لها، لكن لا يبدو أن الجبهة هدأت، وإن هدأت، فربما لن تطول، فحرب الأيام الثمانية مستقبلها ليس مماثلا لحرب الأيام الستة.



