ما سر حماسة «حماس» لـ«التهدئة»؟
الكاتب: امد للاعلام.... خيرالله خيرالله
راية نيوز: ثمة تطورات مستغربة تشهدها فلسطين حاليا. علي سبيل المثال حماسة 'حماس' التي لا حدود لها لما يسمي 'التهدئة'، اي إلي وقف اطلاق الصواريخ من غزة في اتجاه الاراضي الإسرائيلية؟ لماذا كل هذه الحماسة ومن اين أتت؟ إنه سؤال يطرح نفسه بإلحاح في ضوء الاجتماعات التي عقدتها الحركة ممثلة بقيادييها في القطاع مع ممثلي الفصائل الفلسطينية الاخري.
شددت الحركة في تلك الاجتماعات علي ضرورة وقف اطلاق الصواريخ للحئول دون عدوان إسرائيلي جديد. كررت الحكومة المقالة برئاسة السيد اسماعيل هنية هذه المقولة وقررت ارسال قوات لضبط الاوضاع في كل المناطق المحاذية للحدود الدولية للقطاع، وهي الخطوط التي تفصل غزة عن الخطوط الإسرائيلية التي انسحب الاحتلال إلي خلفها صيف العام 2005 عندما كان آرييل شارون لا يزال رئيسا للوزراء.
إنه بالفعل موقف مثير للاستغراب لـ'حماس' التي اكدت علنا بلسان الناطقين باسمها انها تستجيب عمليا لرسالة مصرية جاءت بعد استقبال الرئيس حسني مبارك لرئيس الوزراء الإسرائيلي بيبي نتانياهو قبل ايام قليلة في شرم الشيخ. في ذلك اللقاء، أكد نتانياهو لمبارك ان إسرائيل ستهاجم غزة في حال استمر اطلاق الصواريخ. فما كان من مصر إلا ان نقلت التحذير إلي 'حماس' حرصا منها علي تفادي حرب جديدة تستهدف القطاع.
جرت العادة ان تغفل 'حماس' الرسائل المصرية او العربية. فجأة صارت للرسالة المصرية قيمة. انه امر محير بالفعل. امس كانت هذه الصواريخ كفيلة بتحرير فلسطين من البحر إلي النهر، او من النهر إلي البحر، لا فارق. اليوم بات مطلوبا اكثر من اي وقت تناسي وجود مثل هذه الصواريخ حرصا علي اهل غزة. لماذا لم تقدم 'حماس' علي استخدام لغة العقل والمنطق في أواخر العام 2008 لتفادي ارهاب الدولة الذي مارسته إسرائيل في تلك الفترة؟
دمرت الدولة العبرية اواخر العام 2008 ومطلع العام 2009 ربع البنية التحتية للقطاع تقريبا وقتلت ما يزيد علي ألف واربعمئة فلسطيني بينهم كثير من الاطفال والنساء والمدنيين. إلي الآن، لا تزال عائلات غزاوية في العراء ولا يزال الحصار مستمرا فيما العالم يتفرج وكأنه غير معني بالمأساة الانسانية التي يشهدها القطاع الذي لا تزيد مساحته علي اربعمئة كيلومتر مربع ويعيش فيه اكثر من مليون ونصف المليون انسان.
كان في استطاعة 'حماس' تفادي الاعتداءات الإسرائيلية علي غزة لو تعاونت منذ العام 2005 مع السلطة الوطنية من اجل القضاء علي فوضي السلاح. كانت هناك فرصة ذهبية امام الفلسطينيين لتقديم نموذج لما يمكن ان تكون عليه الدولة الفلسطينية المستقلة. بدل اللجوء إلي فوضي السلاح والكلام الفارغ عن استخدام غزة منطلقا لتحرير فلسطين، كل فلسطين، كان في الإمكان العمل علي تأكيد ان الفلسطينيين لا يضمرون الشر لأحد وأن كل ما يريدونه هو دولة مستقلة تعيش بأمان في المنطقة. كان في الإمكان استخدام غزة منطلقا لتحقيق حلم الدولة بدل اطلاق الصواريخ العشوائية التي لم تخدم سوي إسرائيل.
ليست 'حماس' وحدها التي تتحمل مسئولية التدهور في غزة وصولا إلي انقلاب منتصف العام 2007.
هناك مسئوليات تتحملها السلطة الوطنية الفلسطينية و'فتح' ايضا. لكن مشكلة 'حماس' تكمن في انها لم تستوعب معني التخلص من الاحتلال من جهة والاسباب التي دفعت إسرائيل إلي الانسحاب من غزة من جهة اخري. اعترف المسئولون الإسرائيليون في حينه، وعلي رأس هؤلاء دوف فايسغلاس مدير مكتب شارون، ان الانسحاب الكامل من غزة استهدف السماح بالتركيز بطريقة افضل علي الضفة الغربية. إسرائيل انسحبت من غزة لتكريس احتلالها للقدس الشرقية ومتابعة الاستيطان في الضفة. كانت صواريخ غزة من جملة المبررات التي استخدمتها الحكومات الإسرائيلية للقول إن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه بدليل الفوضي التي تعم القطاع واستمرار التحرشات من نوع خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط صيف العام 2006.
الآن بعد اربع سنوات ونصف سنة علي خطف شاليط، لا تزال 'حماس' اسيرة الجندي الإسرائيلي الاسير الذي يستخدم لإبقاء الحصار الظالم الذي يعاني منه اهل القطاع.
ما الذي حصل كي تنادي 'حماس' فجأة بالتهدئة؟ من اين هبط الوحي علي الحركة التي لا تمتلك بأي شكل حرية قرارها؟ الاهمّ من ذلك كله لماذا مغازلة مصر التي صارت بقدرة قادر 'الشقيقة مصر'؟ إنها بالفعل اسئلة محيرة قد تكون مقدمة لتوجيه رسالة فحواها ان استيلاء 'حماس' علي السلطة في غزة لا يعني بالضرورة متابعة التحرش بإسرائيل. متي تصمم 'حماس' علي شيء، تصبح قادرة علي الذهاب حتي إلي التخلي عن الشعارات التي ترفعها، بل الانقلاب عليها كليا.
يبقي سؤال في غاية البساطة. هل هناك علاقة بين رسالة 'التهدئة' التي تبعث بها 'حماس' إلي إسرائيل من غزة واحتمال استيلاء 'حزب الله' علي السلطة في لبنان بالوسائل المشروعة عن طريق تسمية رئيس للحكومة تابع للحزب؟
لا شك أن الموقف الاخير لـ'حماس' من 'التهدئة' مريب جدا. ما هو مريب اكثر السعي إلي استمالة مصر والحديث العلني عن ذلك. من الصعب الفصل بين 'حماس' و'حزب الله' نظرا إلي أن مرجعية الطرفين واحدة. ولذلك، من الضروري التعاطي بحذر شديد مع كل ما له علاقة بما يسمي 'التهدئة'، خصوصا انه لم يتغير شيء بين البارحة واليوم وأن 'حماس' امضت ما يزيد علي سنتين رافضة الاعتراف بالنتائج الكارثية التي اسفرت عنها الحرب الإسرائيلية التي استهدفت القطاع وأهله. ما الذي حدث بعد سنتين وبضعة ايام من وضع حد لتلك الحرب حتي تستخلص 'حماس' الدروس المناسبة؟



