من القدس الأسيرة.. إلى تونس المحررة
الكاتب: عزيز العصا
هل أننا قادرون على استيعاب مفهوم الدولة العصرية، وما يتطلبه الأمر من التزام كل من الفرد والمجتمع والنظام الحاكم بمجموعة النظم والقوانين الكفيلة بإرساء هذه الدولة؟
هل أن شعوبنا، بما فيهم حكامهم، قادرون على استيعاب المفاهيم الديمقراطية وما يعنيه ذلك من ضرورة ممارسة انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة، وضرورة الالتزام بنتائجها؟
هل أننا، فرادى وجماعات، نمتلك ثقافة وطنية بمستوى يكفل انتماء الفرد لدولته، وحماية ثرواتها وممتلكاتها، والدفاع عنها في حالة من الالتقاء مع الذات؟
هل أن حكامنا متفهمون تماماً للمعنى الدقيق للشعب، بأنه مجموعة من الأفراد الذين يجب أن يتمتعوا بحق العيش الكريم.. وأنهم ليسوا مجرد قطعان من البشر يعيشون في "حظيرة" الحاكم؟!
صحيح أن تلك الأسئلة لا تقتصر على تونس والشعب التونسي والحاكم التونسي "الهارب".. إلا أنه قد تم اقتباس هذه الأسئلة وغيرها من الصور التي تُبَثُّ من هناك، ومن ردود الفعل، العالمية والعربية، على ما جرى في هذا البلد، سواء على مستوى الشعوب أم على مستوى الحكام وصانعي القرار..
تلك الصور التي تشير إلى أن حاكماً-ظالماً-مستبداً قد عاث فساداً بكرامة شعبه، ومارس عليهم أشكال التعسف والظلم والقهر كافة.. إلى أن هب الشعب، فرادى وجماعات، ليطبق قول الشاعر حرفياً: "فإما حياة تسر الصديق.. وإما ممات يغيظ العدا". فالتحم هذا الشعب مع الموت لتكون النتيجة مماتٌ أغاظ هذا الحاكم وزمرته من القتلة. علماً بأن شاعرنا قد أنشد هذا البيت من الشعر ليحفز شعبه، في حينه، على إغاظة العدا من مستعمِرين ومحتلين لكي يأتوا بحكام من أبناء جلدتهم يصونون كرامتهم وكبرياءهم، لا أن يسومونهم سوء العذاب.
أما بالنسبة لردود الفعل، فحدث ولا حرج.. فالغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، الذين أفنى الرئيس الهارب حياته في خدمة مخططاتهم في المنطقة وفي العالم، قد تعاملوا معه وكأنه "شاة جرباء" لا يجوز الاقتراب منها ولا أكل لحمها. فقد أشاد الرئيس الأمريكي أوباما بشجاعة الشعب التونسي وكرامته الذي انتفض على حاكمه، والرئيس الفرنسي رفض استقباله وترك طائرته تحوم في الجو بلا هادٍ ولا دليل، والشعب الفرنسي ضاق ذرعاً بأفراد من عائلة الرئيس الهارب يقيمون في أحد فنادق باريس.
وأما على مستوى الحكام العرب، فقد أصبحوا في حالٍ لا يُحسدون عليه، وسارعوا للإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه، إلا أنهم لم يوفقوا بالإجابة على أيٍ منها، وذلك عندما سارعوا لتخفيض الضرائب ووقف رفع أسعار المواد الغذائية... الخ. لاعتقادهم بأن شعوبهم تبحث عن الخبز فقط، وليس عن الحرية والإرادة الحرة المستقلة.. كما يعتقدون بأن تلك الشعوب لا تدرك ما معنى الاعتراف بـِ "إسرائيل" والتطبيع معها، بل والولاء لها، وما يقابل ذلك من التنازل عن فلسطين والتخلي عن الفلسطينيين في معركة وجودهم وهويتهم.. ولم يدرك هؤلاء الحكام بأن كل فرد من هذه الأمة قد احترق من داخله عندما رأى العراق وهو يُحتل وتستباح نظمه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والجغرافية والديمغرافية... الخ.
أما الرئيس الليبي معمر القذافي، الذي ذكَّر جمال عبد الناصر بشبابه قبل أكثر من أربعين عاماً، فقد أطل علينا ليتلو مجموعة من الأرقام والإحصائيات التي تشيد بالاقتصاد التونسي في عهد الرئيس الهارب، وتؤكد على أن "الخبز" كان موجوداً.. ثم انبرى مدافعاً عن زميله، ومعاتباً "بمرارة" الشعب التونسي الذي لم يكتفِ بالخبز ولم يصبر لمدة ثلاثة أعوام أخرى على الظلم والطغيان الممارس بحقه.. وينتهي الأمر بالقذافي إلى دعوة تونس الجديدة إلى اعتماد النظام الجماهيري الذي يسعد الشعب ويوفر له الحياة الهانئة، علماً بأن اقتصاد تونس، وهي الدولة اللانفطية، كان أفضل من اقتصاد "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الإشتراكية العظمى" وهي الدولة النفطية.
لكي لا نطيل في التحليل والسرد في أمرٍ أشبعه المحللون والنقاد تحليلاً ونقداً، فإنني أتوجه إلى حكام أمتنا، من المحيط (الهادر!) إلى الخليج (الثائر!)، مناشداً إياهم الإجابة على الأسئلة التالية: أليس الإنسان أغلى ما نملك كما كان يرددها المرحوم الملك حسين بن طلال؟ هل يستطيع هذا الإنسان العيش بلا دخل يحفظ كرامته؟ هل يستطيع إنساننا العيش بلا خبز؟ وهل بالخبز وحده يحيى هذا الإنسان؟ هل لفلسطين بقدسها وأقصاها وقيامتها مكان في حساباتكم؟ وهل لتوحيد الأمة واستغلال ثرواتها لصالح أبنائها مكان في أجنداتكم فرادى ومجتمعين؟
إلى أن يجيب حكامنا على تلك الأسئلة وغيرها، ولكي لا ننتظر كثيراً، فإنه لا بد من استخلاص العبر مما جرى في تونس، وفق النتائج التالية:
1. لا يمكن للشعوب الصمت إلى الأبد على ضيم الحكام والقهر الذي تفرضه أسرهم والمقربين منه على عامة الشعب بنهب خيراته واستباحة محرماته.
2. إن العملاء، أياً كان مستواهم، يبقون صغاراً في نظر مستَخدِميهم، وأن انقطاعهم عن تقديم الخدمات يعني انقطاع الحماية عنهم فوراً. أي أنه لا يوجد نظام تقاعد للعملاء يعترف بماضيهم وتاريخهم.. وأن التاريخ يلفظ كل حاكمٍ لم ينصهر في بوتقة شعبه الحر الأبي.
3. إن الأولوية المطلقة لحكامنا هي في استمرار نظام الحكم، بغض النظر عن كلفة ذلك ومن يدفع الثمن وممن يُدفع ذلك الثمن، وأن زمن الحكام ليس كزمن الشعوب. فهناك من أراد لطاغية تونس البقاء، حتى أنه تطابق مع "إسرائيل" في حزنه الشديد على رحيله، من حيث يدري أو لا يدري. وأن دعوة التونسيين للصبر حتى العام 2013 تشير إلى أن الزمن الصحيح والفعال، من وجهة نظر الحكام هي بقدر ما يخدم النظام وليس من حق أحد أن يطالب بما يتناقض مع ذلك!
بالرغم من عدم وضوح الرؤية، حتى اللحظة.. وبالرغم من تخوفنا من ظهور حاكم جديد يركب الموجة، بالانتخابات أو بغيرها، ليتربع على صدر الشعب التونسي مرة أخرى.. إلا أننا نتوجه من القدس الأسيرة المكبلة بالاستيطان، الذي يستبيح تاريخها ويمزق جغرافيتها، بالتحية والتقدير إلى تونس الخضراء رمز الحرية والتحرر والثورة على الظلم والطغيان.. وكل التحية من الشعب الفلسطيني الذي كانت تونس الحض الدافئ لأبنائه، عندما اشتدت أزمته في الثمانينيات من القرن الماضي.. ونشد على أياديكم، أيها الأهل والأحبة، ونناشدكم الالتفات إلى أمن بلدكم الذي سيسعى الأعداء، من كل الأجناس والأطياف، إلى استباحته والعبث فيه.. كما نترحم على شهدائكم الذين سقطوا وهو يواجهون النظام الحديدي المدعوم من زبانية الشر في العالم.



